وبقطع النظر عن الصحّة السندية لهذه النصوص التي ورد فيها تعبير سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيادةً على الكتاب ، إلا أننا لا نراها دالّةً هنا ، فهي لا تريد القول بثبات نصوص السنّة أو عدم ثباتها ، وإنما هي متفرّعة على ما يُستفاد من نصّ السنّة ، وبعبارةٍ أخرى ، هي تقول : اجعلوا السنّة النبوية معياراً لوزن الآحاد من الأخبار ، ومن الطبيعي أن يتفرّع ذلك على ثبوت السنّة النبوية وعلى دلالتها ، أي أن القضية لا تُثبت موضوعها ، فهي تقول : اجعل السنّة معياراً ، وهذا متفرّع على ثبوت السّنة سنداً ودلالةً ، فهي لا إطلاق فيها لصورة الإجمال في دلالة النص النبوي ، كما لا إطلاق فيها لصورة عدم ثبوت أنّ النبي فعل ذلك ، بل هي تفترض ثبوت السنّة النبوية - صدوراً ودلالةً - لجعلها معياراً ، فمع الشك في الدلالة - كما فيما نحن فيه حيث الشك في مثل إطلاق الدلالة الأزمانية مثلًا - لا يصحّ اعتبار السنّة النبوية مرجعاً بنصوص العرض على الكتاب والسنّة ، وكأن المستشكل افترض وجود حالة شك في التاريخية أو ثبوت التاريخية في تمام نصّ السنّة ، مع أنّ هذا لا ندّعيه ، وإنما الكلام في بعض الموارد ، فليلحظ هذا الأمر جيداً فهو أساسي جداً ، وليعلم - أيضاً - أن الحديث هنا فقط عن بعض أشكال التاريخية ، وهو التاريخية الإلغائية لا مطلقاً ، وإلا فالتاريخية بمعنى التقييد أو التوسعة لا تضرّ بأصل مرجعية السنّة النبوية في تقويم الآحاد ولا حتى مطلقاً .
ومن الباب عينه قد يستدلّ على عدم تاريخية السنّة بنفس أدلّة حجية السنّة التي تقدّمت مطلع هذا الكتاب ، فإذا كان النبيّ أسوةً وكان واجب الطاعة وكان قوله فيما يبلّغ عن الله تعالى حجةً ، فإن مقتضى هذه الأدلّة - حيث لا تقييد فيها بزمان دون زمان ومكان دون مكان - أن تكون حجية السنّة ثابتةً في جميع الأزمنة ، فنفس دليل الحجية هو بعينه المكوّن بإطلاقه لدليل عدم التاريخية ، لا سيما مثل دليل التأسّي .
إلا أنه يناقش بأنّ ما يثبت من أدلّة حجية السنّة هو حجية ما يقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبلّغاً عن الله تعالى ، فلا يشمل هذا الدليل غير ذلك . بل إنّ ظاهر أغلب أدلّة حجية السنّة إن لم يكن جميعها كونها بصدد بيان أصل الحجية ، وليست في مقام البيان من حيث
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 724
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٢٤