وبجملة واحدة : نرى هنا أنّ المستكنّ في الوعي المتشرعي العام أنّهم يتعاملون مع النصوص أنّها مشتركة ، وكأن هذا هو الأصل عندهم ، لكن لسنا متأكدين من تعاملهم معها بهذه الطريقة في حالة الشك الحقيقي ، فإن أريد بهذه القاعدة الحكاية الخارجية عن أحكام الشريعة وأنها شاملة ، فهذا أمرٌ يتبع نظر كلّ فقيه ، وينتمي إلى دائرة التوصيف ، أما إذا أريد تأسيس قانون ( أصل ) يُرجع إليه حتى في حالة الشك ، فهذا ما لا نجزم بانعقاد ارتكاز في مورده ، والارتكاز دليل لبّي يؤخذ فيه بالقدر المتيقن ، فلا نحرز أنّ هؤلاء المتشرعة لو واجهوا ملاحظات التاريخية المعاصرة لعملوا بقاعدة الاشتراك وتجاهلوا الشك الموجود فيها ، هذا مضافاً إلى أنّه لو حصل شك في خصوصية الحكم آنذاك لاعتبارات مرحلية بحيث قامت شواهد على هذا الشك هل نحرز تجاهلهم له ، أم أن قضاءهم بالاشتراك نابع عن عدم وجود شك حقيقي لديهم يطال مرحلتهم ولا يحرز امتداده للمراحل اللاحقة حتى من وجهة نظرهم ؟
وقد كنّا ميّزنا في غير موضعٍ ودراسة بين نوعين من الشك ، اعتبرنا التمييز بينهما بالغ الأهميّة في غير مجال من الاجتهاد الفقهي والأصولي ، هما : الشك الحقيقي والشك الافتراضي ، وقلنا : إن العقلاء والمتشرّعة لا يأخذون بالشكوك الافتراضية التي لا تنبع بشكل حقيقي لتلج روح الإنسان وتبعث فيه التردّد الواقعي ، وإنما هي محض افتراض منطقي معاكس ، مثلًا بإمكانك الآن أن تقول : يحتمل أنّ الصوم كان تشريعاً تاريخياً ، ويكون منطلقك مجرّد وجود فرصة احتمالية منطقياً لا غير ، فهذا شك افتراضي بحسب ما سمّيناه ، ومرةً أخرى تقول : يحتمل أنّ الصوم حكم تاريخي ؛ لأنّه توفرت لي عشرة روايات عن النبي مثلًا فيها شواهد على ذلك ، لكنها ضعيفة السند حديثياً ورجاليّاً وتاريخياً ؛ فإنّ الاحتمال هنا حقيقي نابع من معطيات لا ترقى إلى مستوى الدليل التام ، والعقلاء يميّزون بين هذين النوعين من الاحتمالات والشكوك ، والمؤكّد أنّهم يتجاهلون الشكوك الافتراضية عادةً ، ولا نحرز تجاهلهم للشكوك الحقيقية فيما نحن فيه .
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 722
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٢٢