أن يكون في مقام البيان في الجملة ، أي في مقدارٍ ما من الدلالة ، في مقابل عدم وجود أي قدر دلالي مقصود بجديّة ، لكنّ هذا لا يعني ولا يلازم أن يكون في مقام البيان من تمام الجهات ، فإذا تكلّم شخص عن علاقته بوالده في جملة صغيرة فالأصل أنّه في مقام بيان هذه العلاقة ، وأنه لا يمزح فيما يقول ، لكن لا يوجد عاقل يُلزم في كل جملة يتحدّث بها شخصٌ عن أمر ما أنّه بصدد الحديث عن تمام ما يتعلّق بموضوع هذه الجملة من كافّة النواحي ، إلا تلك النواحي التي نتأكّد من الظروف الحالية والمقامية والمقالية أنّه بصدد استيعابها بالحديث ، فمبدأ البيان يقابل مبدأ الإجمال المطلق أو الإهمال المطلق ، ولا أقل من أننّا نشك في تعارف إطلاقية هذا المبدأ في الوعي العقلائي ، والدليل العقلائي دليل لبّي يؤخذ فيه - أصولياً - بالقدر المتيقن ، وهو ما قلناه ، بل نحن ندّعي أن هذا هو المرتكز المستكنّ في الوعي الأصولي كما ترشد إليه كلماتهم في مباحث الإطلاق والتقييد ، حيث يشرطون للأخذ بالإطلاق أن يكون المتكلم في مقام البيان من الجهة التي يراد الاستناد إلى الإطلاق فيها ، ولهم في هذا المجال تطبيقات كثيرة في الفقه أيضاً ، بما فيها للسيد الخوئي « 1 » .
وثمّة محاولة نقدية أخرى على التمسّك بالإطلاقات الموجودة في النصوص ، طرحها الباحث الإيراني المعاصر الشيخ محمد مجتهد شبستري ، وذهب فيها إلى أنّ الاستناد إلى الإطلاق فرع تصوّر إمكانيّة جعل الحكم المطلق ، فنحن في البداية نحتمل أنّ هذا الحكم مطلق ، ثم بعد ذلك نستند إلى الإطلاق الموجود في دلالة النص لكي نثبت كونه مطلقاً ، ومعنى ذلك أنّ إطلاقه الإثباتي الوقوعي متفرّع على إطلاقه الثبوتي الإمكاني ، ولكن مع الأسف لا نجد في الدراسات الفقهية ولا الأصولية الإسلامية حديثاً عن إمكان الأبدية والإطلاق ومعايير هذا الأمر ، فهم يرجعون إلى الإطلاق الدلالي ليكتشفوا الإطلاق الواقعي في الحكم ، مع أنّ الإطلاق الدلالي متأخرٌ في الرتبة عن
هامش
( 1 ) انظر : الخوئي ، محاضرات في أصول الفقه 5 : 369 .