فيه ، وليلحظ ذلك جيداً ، وليس هناك ظهور حالي للنبي في التبليغيّة أو غيرها في نطاق التشريعات والقوانين تجعل أحد الطرفين بمثابة القاعدة ، كلّ ما هناك - على أبعد تقدير - مجرّد غلبة النصوص الإلهية الثابتة ، لكنّ هذه الغلبة قد لا يُعلم - وفق ما قلناه - إفادتها اليقين أو الظنّ المعتبر ، أو بلورة ظهور حالي في هذا النص أو ذاك ، فإن الظنّ الحاصل من قانون إلحاق الشيء بالأعم الأغلب قد يفيد على مستوى نظرية الانسداد والقول بحجية مطلق الظن « 1 » ، وأما على غير هذه النظرية فإنه لا يحرز قيام بناء عقلائي على حجية هذا الظن إلا إذا بلغ حدّ الاطمئنان ، بل سيكون الظن الحاصل من قاعدة الأعم الأغلب أدون من الظن الحاصل من الاستقراء الناقص ؛ لإحرار المخالف في الأولى دون الثانية ، كما ذكره بعض الفقهاء الأصوليين « 2 » ، وإن كان ظاهر بعض الأصوليين وحدة القاعدتين « 3 » .
وربما تقول : أليس النبي والمعصوم مسؤولين عن مخاطبة الأجيال اللاحقة كما هما مسؤولان عن خطاب الجيل المعاصر لهما ؟ إذاً فهذا يعني أنّ هذه النصوص التي صدرت منهما يفترض أن تكون - انطلاقاً من هذه النقطة بالذات - خطاباً للأجيال كلّها ، فتحديدها بعصر خاص يفترض أن يكون هو الشيء الاستثنائي الذي يجب أن نبحث عن مبرّر له ، ومن دون هذا المبرّر يجب أن نبقى على عمومية الخطاب زمكانياً .
لكنّ هذا الكلام فيه دمج بين مفهومين منفصلين ؛ لأن مبدأ عدم التحديد الزمكاني في الدعوة النبوية مبدأ صحيح ، بمعنى أنّ هذا الدين وهذه الشريعة جاءا لكي يخاطبا الأمم والأزمنة ، وفق العقيدة الإسلامية ، لكن هل يلغي هذا المبدأ إمكانية وجود قسم من الخطابات النبوية تهتمّ بمعالجة ظواهر العصر آنذاك بوصف ذلك ضرورة عملية
هامش
( 1 ) انظر : القوانين المحكمة 1 : 89 .
( 2 ) انظر : الإصفهاني ، حاشية المكاسب 5 : 36 ؛ والخوئي ، مصباح الفقاهة 6 : 16 .
( 3 ) انظر : هداية المسترشدين : 189 ، 214 .