المتصلة اللبية يبدو صعباً جداً ، وذلك أننا تارةً نفرض الراوي يؤلّف كتاباً يخاطب به أجيال البشرية إلى يوم الدين ويعرف بتطوّرات الحياة الاجتماعية وما سيحدث إلى العصور اللاحقة ، فهنا يمكن القول بأنّ عدم بيانه للشواهد المرتكزة السياقية دليلٌ على عدم وجودها ؛ لأنّ المفروض أن الأجيال اللاحقة البعيدة قد فقدت هذه المرتكزات السياقية فلا بدّ من بيانها لها ؛ لأنّ عدم بيانها يمثل إخلالًا بأمانة النقل ، وحيث فرضنا الراوي أميناً ، نفهم أنّ لديه تعهداً والتزاماً بذكر هذه السياقات الاجتماعية الحافة ، إلا أنّ الأمر ليس كذلك ، فأيّ من الرواة - اللهم إلا النادر جداً ربما - كان يعرف بتطوّر الحياة بعد عصره ، فعادةً ما يكتب الكاتب أو ينقل الناقل إلى الجيل القريب منه أو المعاصر دون أن يأخذ بحسبانه ما يمكن أن يحدث في ضياع شواهد وتحوّل حياة ، وحيث ينقل إلى هؤلاء فإنهم يشاركونه ارتكاز هذه القرائن في عقولهم ، من هنا فعدم ذكره لها نصّاً لا يخلّ بأمانته ولا يفترض غفلته ؛ لأنّ المفروض أنّه إنما ترك نقلها اعتماداً على مركوزيّتها في وعي المخاطب ، فما هو الملزم الأخلاقي أو العرفي أو الاجتماعي أو القانوني له بذكر الشواهد بالنصّ والصراحة ؟ فقاعدة الشهادة لا تنفع هنا ولا تفيد ، ولو أفادت ففي حالات معدودة استثنائية ، قس ذلك على نفسك حينما تؤلّف كتاباً أو تخاطب جمهوراً من على منبر أو في مكان خاص وحتى عام ، هل تأخذ بالحسبان تغيّرات الأوضاع بعد مئات السنين ؟ !
فعلى مبنى بعض الأصوليين يلزمهم القول بالإجمال عند ظهور شك حقيقي في أصل وجود القرينة هنا ، أما من يقول بأنّ أصالة عدم القرينة مبدأ عقلائي في حدّ نفسه دون حاجة إلى إرجاعه إلى أصل نوعي كاشف آخر ، فيمكنه هنا مباشرةً إجراء قاعدة عدم القرينة لرفع احتمال القرائن اللبية المذكورة .
والذي يبدو بمراجعة سنّة العقلاء وقرّاء النصوص القديمة وباحثي التراث و . . أنّهم ما لم تقم عندهم شواهد جادّة تبعث على الشك فهم يتعاملون مع النصوص دون الأخذٍ بعين الاعتبار افتراض وجود سياقات اجتماعية تاريخية ، نعم ، لو قامت شواهد
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 706
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٠٦