الاتجاه الأوّل : وهو الاتجاه السائد - إلى حد كبير - في مدارس أصول الفقه الإسلامي ، وفي الممارسات الفقهية عادةً ، ويذهب هذا الاتجاه إلى قاعدة التأبيد في النص ، إلى جانب قاعدة الاحتفاظ بحرفية النصّ ما لم يدلّ دليل على الانفكاك عنها ، فأيّ نص في السنّة الأصلُ فيه أن يكون إلهيّاً ثابتاً ممتدّاً في الزمان والمكان ، كما أنّ المبدأ فيه أن يكون مأخوذاً بحسب ما في العناوين التي وردت في لسان هذا النص ، فنقتصر في عنوان الأشهر الحرم على هذا الحكم ، ولا نتعدّاه إلى افتراض أنّ وراء هذا الحكم حديثاً عن احترام الأوضاع المدنية في الجزيرة العربية حال الحرب والقتال .
الاتجاه الثاني : وهو اتجاه بدأ يسود أوساط الدارسين الجدد للنصّ الديني ، ويرى أنصاره أنّ المبدأ الأولي في أيّ نص قانوني ديني هو التاريخية ، وأنّ تأبيده أو تسريته إلى أوضاع مختلفة بحاجة إلى دليل ، ذهبت إلى ذلك بعض الشخصيات البارزة في الأوساط الجديدة ، ويعود واحد من أقدم النصوص على تأسيس هذا الفهم التاريخي للفقه الإسلامي وأحكامه إلى ولي الله دهلوي الباحث المعروف ، حيث يرى أن تشريعات الرسول وأفعاله إنما تمثل معطيات أنموذجية تهدف لوضع مؤشر لما سنفعله في عصرنا ، لا أنّ المراد بها إعادة استنساخها حرفياً على الدوام « 1 » ، وينصّ عبد الكريم سروش على قانون التاريخية في الأحكام الشرعية ذات الطابع الاجتماعي ، وأنّ التأبيد يحتاج إلى دليل ، ويرى ذلك هو المعطى الذي تقدّمه لنا دراسة طبيعة التشريعات في تلك الفترة ، معتبراً أن الطابع القاسي والعنيف لبعض التشريعات الإسلامية مسألة حقيقية لكنّها تاريخية ، وكذلك العديد من أحكام النساء « 2 » ، بل يذهب مصطفى ملكيان إلى أنّ هناك
هامش
( 1 ) انظر حول نظريته : عبد الكريم سروش ، بسط تجربه نبوي : 73 - 79 ، 122 - 123 ، وينسب سروش هذه الفكرة في المصدر عينه إلى إقبال اللاهوري أيضاً ؛ وانظر لسروش ، سياست نامه : 253 - 254 ، 256 ، 258 ؛ وآيين شهرياري ودينداري : 300 - 301 .
( 2 ) عبد الكريم سروش ، مسألة المرأة بين القوانين الفقهية ونظام القيم الأخلاقية ، مجلة نصوص معاصرة ، العدد 6 : 22 ؛ وله أيضاً : سياست نامه : 251 - 252 ، 256 - 257 ؛ نعم ثمة بعض