فهم المجتهد الفقيه لها ، من حيث الالتفات إلى عناصر في النص تعطي إيحاءً هنا أو هناك ، وهكذا .
والأمر هنا كذلك ، وهو أنه إذا ورد الفقيهُ النصوصَ الحديثية دون التفات إلى موضوع التاريخية ، فسوف يرى النصوص قوالب ثابتة ساكنة ، أما إذا ورد معتقداً سلفاً بمفهوم التاريخية وأنّه مفهوم له حضور في النصوص ، وله مبرّره العقلاني الوارد ، فسوف يلاحظ حينئذٍ - أكثر من غيره - القرائن والشواهد التي تفسّر نصّاً هنا أو هناك تفسيراً تاريخياً ، فالخلفية والاستعداد المسبق يلعبان دوراً في رؤية الشواهد في النصوص ، من هنا ، الإصرار على إدخال بحث التاريخية إلى أصول الفقه المدرسي وبأسرع وقتٍ ممكن .
وكمثال آخر لتأثيرات هذه الرؤية المسبقة على ملاحظة الشواهد في الفقه ، نقارن فهم السيد الخوئي لخمس أرباح المكاسب مع فهم السيد الخميني ؛ إذ يذهب الأوّل إلى أنّ أرباح المكاسب ملك شخصي للنبي وأهل البيت وأقربائهم ، ولا علاقة لهذه الضريبة بالشأن العام للمسلمين « 1 » ، أما السيد الخميني فعندما ينظر إلى هذا الأمر من زاوية الفهم الحكومي للإسلام ، فهو يراه ضريبةً تؤكّد مقولة الدولة الدينية ، ويبدأ يلتفت إلى عبثيّة تشريع حكم سهم السادة بالمعنى الشخصي الملكي للسهم « 2 » ، وليستمرّ الحال مع أنصار مدرسته ؛ فيرى الشيخ المنتظري أنّ تشريع سهم السادة - بمعنى الملك - ظلم « 3 » ، فيما يميل أستاذنا السيد محمود الهاشمي الشاهرودي إلى أنّ هذا التشريع غير عقلائي « 4 » ؛ وعليه فالمهم في باب التاريخية - بعد اقتناع الفقيه بمبدئها على المستوى الأصولي ،
هامش
( 1 ) راجع : الخوئي ، مستند العروة الوثقى ، كتاب الخمس : 196 - 197 .
( 2 ) انظر له : كتاب البيع 2 : 656 - 657 ؛ والحكومة الإسلامية : 55 - 56 .
( 3 ) حسين علي المنتظري ، كتاب الخمس : 270 - 271 .
( 4 ) محمود الهاشمي ، كتاب الخمس 2 : 395 .