تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 688

مساهمون:

ص٦٨٨
أما نظرية تاريخية السنّة ، فلا ترتبط بهذا الموضوع أو تتطابق معه ؛ لأن نظرية المصاديق الجديدة تنسجم مع ثبات السنّة وعدم تاريخيّتها . فهناك درجة من التلاقي الجزئي في العنوان العام ، أما بحث تاريخية السنّة فهو أسبق مرتبةً ، كما أنه قد يضيّق وقد يوسّع ، لا أنه يضيقّ فقط ، كما هو ظاهر من رفض استقلال المصاديق الجديدة ، إضافةً إلى أن نظرية تاريخية السنّة لا تختصّ بالمصاديق الجديدة بل تشمل ما لا مصاديق جديدة له أيضاً . إذن ، هذا النوع من البحوث لا علاقة له أيضاً بموضوع تاريخية السنّة ، فهذه البحوث تفترض أو تنسجم مع سكونية نصوص السنّة ، وتحدّد عناوينها الواردة فيها مع أحكامها وشروطها وقيودها ، وبعد هذا الافتراض تحاول أن ترصد مصاديق جديدة لذاك العنوان الذي رتّب الحكم عليه ، أما تاريخية السنّة ، فلا تُعنى - فقط ومن بعض الزوايا - بالمصاديق الجديدة ، بل تحكي - كما أشرنا - عن أن المشرّع لم يشرّع هذا الحكم أو ذاك ليكون جزءاً من الأحكام الإلهية الثابتة بشكله الجامد الموجود في النص ، بل لعله لمرحلة معينة أو لظرف معين ، أو ضمن إطار معيّن لا يحكيه النص بل يُفهمنا إياه التحليل التاريخي ؛ مما يعيق علينا قدرة التعميم ويهدر مجال الاستفادة من هذا النص إلى حدّ بعيد ، إما كلياً أو جزئياً وربما ساعد على تعميمه كما شرحنا سابقاً لكن من جهةٍ أخرى ، نعم ثمّة تفاعل بين التاريخية والمصاديق الجديدة ؛ لأن القراءة التاريخية للسنّة تساعد عادةً على احتواء الظواهر الجديدة في الاجتماع والسياسة والاقتصاد ، كونها - كما أشرنا - تنحو منحى الاعتماد على روح الحكم أكثر من شكله الظاهري . وبعبارةٍ جامعة : إن مثل هذه النظريات قد تعبّر عن تاريخية بعض الأحكام ، مثل أن يتحقق انعدام الموضوع فيحسب الحكم أنه صار اليوم وفي عصرنا تاريخياً ، إلا أنه ليس هذا هو المراد بالتاريخية هنا ، وإن مثّل أحد أشكالها ومظاهرها ، إنما التاريخية هنا نهجٌ في قراءة النص منذ البداية وحين استنباط الحكم الأوّلي منه ، لا بعد الاستنباط وعروض طوارئ قد تجمّده أو تلغيه مؤقتاً أو كلياً .