وفي هذا السياق يقول الصدوق : « اعتقادنا في الأخبار الواردة في الطب أنها على وجوه : منها ما قيل على هواء مكّة والمدينة ، فلا يجوز استعماله في سائر الأهوية ، ومنها ما أخبر به العالم عليه السلام ما عرف من طبع السائل ولم يتعدّ موضعه ، إذ كان أعرف بطبعه منه . . » « 1 » .
ويعزز المفيد هذا الكلام باحتمال أن دواءً لمنطقةٍ ما لا ينفع في منطقة أخرى أو لقومٍ دون قوم « 2 » .
وهذا كلام واضح في حصر بعض نصوص الطبّ الواردة في السنّة بظروف مكة والمدينة أو طباع أشخاص معيّنين ، لكنّ هذه الطريقة في معالجة النصوص لم تكن سائدة أبداً في منهج الاجتهاد عند الشيعة « 3 » .
هذا ، وثمّة نماذج كثيرة متأخرة تثبت الحضور التدريجي للوعي التاريخي في الجهود الفقهية ، ونقدّم هنا بعض النماذج الشيعية أيضاً ؛ لعدم قيام بحثنا على الاستقصاء :
المثال الأوّل : يستخدم الشهيد مرتضى مطهري المنهج التاريخي لحلّ التعارض في روايات زيارة الإمام الحسين عليه السلام ، فيرى أن النصوص الدالّة على وجوب الزيارة إنما صدرت في ظرف كون التشيّع مهدداً بخطر الانقراض وعدم الوجود ؛ لهذا كانت الزيارة بعثاً لهذا المذهب وإبقاءً له حياً ، أما نصوص الاستحباب فقد صدرت في الحالات العادية غير الاستثنائية ، وبهذا يمكن الجمع بين النصوص المتعارضة على أساس منهج الفهم التاريخي الذي يفسّر نصوص الوجوب بظرف تاريخي طارئ « 4 » .
المثال الثاني : يذهب بعض الفقهاء المتأخرين إلى أنّ النصوص الدالّة على استرقاق
هامش
( 1 ) الصدوق ، الاعتقادات : 115 .
( 2 ) المفيد ، تصحيح اعتقادات الإمامية : 144 .
( 3 ) حيدر حب الله ، نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي : 722 - 727 .
( 4 ) مطهري ، المجموعة الكاملة 21 : 296 .