نصّ القرآن في الجملة ، كما يجري في نصّ السنّة ، ولا يوجد أيّ معطى يمنع عن جريانه فيهما معاً ؛ فما سيأتي من أبحاث يشمل - لا أقلّ أغلبه - النص القرآني والحديثي ، مع ترك التفاصيل المتصلة بالقرآن الكريم إلى محلّها ؛ لأن تركيزنا هنا إنما هو على السنّة الشريفة .
3 - 1 - تفعيل مبدأ الطريقية مقابل الموضوعية
العنصر الثالث من العناصر البنيوية للمنهج التاريخي هو تفعيل الآليّة الطريقية مقابل الموضوعية ، بجعل ما جاء في النص طريقاً إلى مفهوم آخر يقع على تماسّ معه ، ونعني بذلك أنّه إذا جاء في النصوص عنوانٌ ما ، كعنوان الشطرنج ، فإن المبدأ الذي قرّر في علم أصول الفقه هو قاعدة الموضوعية ، بمعنى أن يكون كلّ عنوان مأخوذاً بعينه في الحكم ، لا أن يكون ذكره طريقاً لعنوان آخر يمثل الموضوع الحقيقي ، مثل أن يجعل عنوان الشطرنج طريقاً إلى عنوان آلة القمار ، فيكون الحكم بالحرمة مترتباً على مطلق آلة قمار ، وإنّما ذُكِرَت الشطرنج من باب قصد ذاك المفهوم الكلي ، لكونها - مثلًا - من أبرز نماذجه ومصاديقه ، وهكذا الحال في عنوان رؤية الهلال الذي جاء في الروايات ، حيث يجعل في المنهج التاريخي سبيلًا إلى عنوان آخر حقيقي هو المقصود النهائي للمتكلّم والمشرّع ، وهو عنوان اليقين بدخول الشهر ، بحيث يكون مبرّر ذكر عنوان رؤية الهلال كون هذه الوسيلة هي الوسيلة الأبرز لتحديد بدايات الشهور في عصر صدور النصّ التشريعي .
إنّ المنهج اللاتاريخي يرفض هذه الآلية ، ويصرّ على أنّ عنوان الشطرنج إذا ذكر في النصّ فنحن نقتصر عليه ؛ إذ لا يوجد ما يبعث على التعدّي والقيام بحركة تعميمية لجعل الحكم يشمل مطلق آلة القمار ، حتى بوضع معيار آلة القمار تصبح الشطرنج نفسها حلالًا إذا لم تعد آلةً للقمار في المجتمع .
أما في النزعة التاريخية ، ففي أكثر مواردها تغليبٌ للطريقية على الموضوعية ، فلا تؤخذ العناوين بذاتها ، بل تُرى مثالًا أو أنموذجاً ، أو جسراً ، أو معبراً ، أو شكلًا