وفقط فريقٌ من الباحثين يتبنّى هذا الانفلاش لمفهوم التاريخية ؛ مثل الدكتور محمد أركون ، الذي يعتقد بأنّ النص القرآني ونصّ السنّة تاريخيان ؛ بمعنى انتهاء مداهما بظهور الحضارة الغربية الحديثة ، وأنهما تعبيرٌ عن العقل الذي ساد الإنسانية فترات سابقة ، وهذا الفريق لا نبحث معه هنا ، وإنما نضع بحثه في مكان آخر ؛ لأنه يتصل بعلم الكلام الجديد وفلسفة الدين أكثر من اتصاله بأصول الفقه والتشريع ومنهج فهم النص .
مسألة تاريخية النصّ القرآني
الثاني : القرآن الكريم ، فقد صرّح غير واحدٍ بتحييد النصّ القرآني عن التاريخية ، معتبرين أنّه المرجع والمعيار ، فلا يصحّ أن يكون تاريخياً « 1 » ، من هنا اشتهرت في الأوساط - لا سيما الشيعيّة - تاريخية نصّ السنّة أكثر من تاريخية نصّ الكتاب .
لكن الذين حيّدوا نصّ الكتاب ملزمون بذكر المبرّر لذلك ؛ لأن القراءة التاريخية للنصوص والفهم التاريخي للقوانين لا يميّزان بين نصّ ونصّ من حيث منهجهما وقوانينهما ، فإخراج أحد النصوص أو التشريعات عنهما - بحيث يخرجان عنه تخصّصاً لا تخصيصاً - لابد أن ينطلق من مبرّر للاستثناء .
والذي يحتمل أن يكون مبرّر الاستثناء أحد أمور :
الأمر الأوّل : مرجعية القرآن وكونه كتاب المسلمين الخالد ، فإذا ما طالته اليد التاريخية لم يعد للإسلام وجود ، وقد قال تعالى :
( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ )
( الأنعام : 19 ) .
لكن هذا المبرّر في غير محلّه ؛ لأنه يتصوّر أنّ افتراض تاريخية نصّ ديني معناه لزوم صيرورة تمام أبعاض هذا النص تاريخية ، فكما قبلنا تاريخية بعض السنّة في الجملة ، أيّ
هامش
( 1 ) راجع : محمد مهدي شمس الدين ، الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي : 86 - 87 ؛ ومحمد حسين فضل الله ، الاجتهاد والحياة ، حوار على ورق : 37 - 38 .