وعليه ، فالذي يظهر من دلالة التقرير أنها تابعة للشيء المُقَرّ ؛ وذلك أنه إذا كان الفعل المقرّ به مجرّداً دلّ السكوت عنه على الرخصة فيه ، فأثبت لنا الجواز والإباحة - بالمعنى الأعم - لا أزيد « 1 » ، وأما إذا انضمّ إلى الفعل أمرٌ كان السكوت إمضاءً لما هو أزيد من محض الفعل ، وذلك :
أ - قد يتضمّن الفعلُ إلزامات ، مثل أن يقوم الناس بعمل على أساس إحساسٍ منهم وتبانٍ على لزوم الإتيان به ؛ فإن السكوت هنا يكشف عن جواز الفعل من جهة وعن لزومه أيضاً ؛ لأن المفروض السكوت عن كلا الأمرين ، نعم تبقى نقطة الإلزام وملاكها ، فقد يكون الإلزام المستكشف بالإمضاء إلزاماً عرفياً ، فيمضي الشارع هذه الإلزامات العرفية دون أن يصّيرها شرعيةً من حيث العنوان الأولي ، إلا مع قيام شاهد خاص ، ومعنى ذلك أنّ العرف قد يقوم عنده إلزام في الفعل لكنّه لا ينطلق من تقعيد بشري عام ، وإنّما من أعراف خاصّة محدودة فعندما يمضي الشارع هذا العرف فهو يمضي الإلزام في حدوده الخاصّة لا مطلقاً .
ب - وقد يتضمّن التقرير أحكاماً ارتكازيةً لا عملية ، كما لو جرى العقلاء على الاحتجاج بأخبار الآحاد ؛ فإن السكوت هنا كاشف عن إمضاء ليس عملية الاحتجاج بوصفها فعلًا فحسب ، بل نكتة الحجيّة المركوزة في الذهن العقلائي ، حيث يرون أخبار الآحاد تفيد التنجيز والتعذير ، فالسكوت معناه هنا إفادة التنجيز والتعذير لا مجرّد الرخصة والإباحة ، ولولا ذلك لما أمكن الاحتجاج في أصول الفقه بالعرف والسيرة العقلائية ، للحصول على إلزامات تنجيزية ؛ إذ سيقال للأصوليين حينئذٍ : إنّ أقصى ما يدلّ عليه السكوت عن السيرة العقلائية القائمة على الأخذ بأخبار الآحاد مثلًا هو الرخصة في الاعتماد عليها ، ومعنى ذلك أنّه يمكننا العمل بها ويمكننا عدم العمل ،
هامش
( 1 ) نصّ الأصوليون على دلالة الإباحة في السكوت ، فانظر - على سبيل المثال - : ابن حزم ، الإحكام في أصول الأحكام 2 : 149 ؛ وابن الجوزي ، الإيضاح لقوانين الاصطلاح : 55 .