وهذا شيء لا ينفع الأصولي في نشاطه ؛ لأنّه يريد من السيرة أن يُصبح خبر الواحد ملزٍماً وحجّة قانونية واجتهادية ، لا يفترض التنحّي عنها ، وإلا كان معنى ذلك جواز العمل بالفتاوى القائمة على أخبار الآحاد وجواز تركها ، وهو ما لا يرضاه الأصولي الهادف لإثبات حجية خبر الواحد .
ج - كما قد يتضّمن التقرير أحكاماً وضعية عملية ، مثل أن يتبانى العرف والعقلاء على تصحيح عقود ومعاملات أو إبطالها أو اشتراط قيودٍ فيها ، مثل تصحيح عقد البيع ، وإبطال عقد الصغير غير المميّز ، وشرط العلم بالعوضين اللذين تقع المعاملة عليهما مثلًا ، ونفوذ إقرار الناس على أنفسهم ، وشرعية الإقالة في المعاملات مع التراضي ، وما شابه ذلك ، وهنا يدلّ الإمضاء على شرعيّة هذه الأحكام الوضعية بتمامها ، وإلا لوقع النهي عن بعض هذه القيود أو عن عنصر الإلزام الوضعي الموجود في البَين ، وهذا ما نراه في سيرة علماء الشريعة الإسلامية حينما يستندون للعرف والسيرة العقلائية كي يصحّحوا المعاملات وما شاكل ذلك .
د - نعم ، في تمام حالات التقرير ينبغي الاقتصار على القدر المتيقن ، والدائرة الأضيق التي نتأكّد منها ؛ لأنّ التقرير دليل لبّي يؤخذ فيه بالقدر المتيقن ، فقد نشك في بعض الحالات أنّ إقرار أمرٍ ما هل هو إقرارٌ له في تمام العصور والظروف ، أو أنّ سكوت النبيّ و . . عنه لمدّة طويلة كان لظرفٍ خاص استطال هذه المدّة كلّها ؟ وهنا لابدّ من الأخذ بالقدر المتيقن ، نعم ، لا ينبغي إدخال الشك المحض الوسواسي هنا ، لكن إذا كان الإقرار إقراراً لنصّ صدر أمام المعصوم ، كأن ينسب شخص للدّين شيئاً ويسكت المعصوم وهو حاضر ، فإنّ الظاهر هنا اعتبار هذا النص - طبقاً لما طرحناه من قيود وشروط - كأنه صادر من المعصوم ، فيؤخذ بدلالاته الإطلاقية الممكنة ؛ ولعلّ هذا هو مراد جلال الدين المحلّي ( 864 ه - ) من قوله بأن إقرار النص بمثابة النص « 1 » .
هامش
( 1 ) جلال الدين المحلّي الشافعي ، شرح الورقات في أصول الفقه : 170 .