الظاهر - فيما توحيه بعض الكلمات - أنّ الخصوصية التي دفعت هذا الفريق من علماء أصول الفقه الإسلامي للتمييز بين الكافر والمنقاد للشرع في نظرية حجية التقرير ، هي أحد أمور :
أ - إنّ الكافر ممّن يغريه الإنكار ، وفي كل مورد يكون فيه ذلك يسقط الإنكار ، فيعلم عدم وجوبه على النبي ، فلا يُستفاد منه الإقرار « 1 » ، ولعلّ هذا هو مراد من لم يحتجّ بالتقرير في حق الكافر ؛ لعدم قبوله من الرسول قوله « 2 » .
وهذا الكلام لا يصحّ على إطلاقه ، فليس كلّ كافرٍ يغريه الإنكار ، ولا كلّ مسلم لا يغريه ، لا سيما إذا صدر الإنكار من المعصوم غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بناءً على نظرية الإمامة عند الشيعة الاثني عشرية ، بل هو خصوصية من الخصوصيات التي أشرنا سابقاً إلى إيجابها العجز عن استكشاف الحكم من التقرير ؛ إذ كيف نعرف عدم وجود العذر عند النبي ؟ وهذا معناه أنّ هذا المفهوم الذي أقحم هنا - وهو مفهوم الإغراء - يعيق عن استنتاج حجية التقرير بنحو أوسع من مسألة الكافر ، كما في المنافقين وعدد من أصحاب المصالح والمنافع .
ب - إنّ الكافر غير مكلّف بالفروع ، ومعه لا معنى للإنكار عليه فيها « 3 » ، ولعلّ هذا هو مراد الغزالي في المنخول من أن النبي كان يعرض عن الكفار ، وفي المنافق خلاف ، لأنه كان ينحو به منحى المسلم « 4 » ، فالإنكار يكون حيث يتخلّف الطرف الفاعل أمام النبي عن مسؤوليةٍ ما أو يخالف الشرع ، وإذا كان الكافر غير مكلّف بالفروع الدينية فلا معنى للإنكار عليه حينئذٍ .
هامش
( 1 ) انظر : جلال الدين المحلّي ، شرح جمع الجوامع 3 : 229 ؛ نعم هو أطلق القيد ولم يحصره بالكافر ، بل نحن عمّمناه هنا واستفدنا منه .
( 2 ) انظر : المسوّدة في أصول الفقه لآل تيمية 1 : 201 .
( 3 ) راجع : جلال الدين المحلّي ، شرح جمع الجوامع 3 : 229 .
( 4 ) الغزالي ، المنخول : 317 .