وردت روايات ضعيفة السند في صدور تحريم من النبي بعد سكوته هذا ، وبنينا على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية أشكل الأخذ بهذا السكوت النبوي في هذه الحال ؛ ولهذا لا معنى لكلام الغزالي من أنه إذا كان الرسول ينتظر الوحي فلابد له من أن يأمر الفاعل بالتوقف « 1 » ؛ إذ ليس كل الحالات انتظاراً للوحي ، ولوحصل أن أمر بالتوقف فلا دليل يلزم بذلك ولم يبيّنه الغزالي نفسه .
وبهذا يتبيّن أنّ مشكلة حجية التقرير هي مشكلة معرفيّة كما ألمحنا في البداية ، حيث يصعب التوصّل إلى اكتشاف حالة الدلالة السكوتية على موقف شرعي . وسيأتي أنّ هذه المشكلة لها إطارها الخاص ، دون أن تسقط قيمة حجية التقرير بالمطلق .
نظرية التفصيل في الإقرار بين المنقاد للشرع وعدمه ، وقفة نقدية
ذكر بعض الأصوليين أنّ من شروط حجية التقرير أن يكون من أقرّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من المؤمنين المنقادين للشريعة ، ومعه لا يكون سكوته عن فعلٍ صدر أمامه من شخصٍ غير مسلم دالًا على جواز هذا الفعل « 2 » .
إلا أنّ هذا الكلام غير واضح ؛ لأنّ المستند لحجية التقرير - كما لاحظنا - ليس سوى الأمر بالمعروف أو تعليم الجاهل و . . ، وكلا المعيارين صادق في المسلم وغيره ، المنقاد للشرع وغيره ، فما هي الخصوصية التي توجب أخذ هذا القيد أخذاً قواعدياً في الحجية حينئذٍ ؟ ! ألا يجب على الرسول تعليم الكافرين والفاسقين إذا كانوا جاهلين ؟ ! ألا يجب عليه أن يأمر الكافرين والفاسقين بالمعروف وينهاهم عن المنكر ؟ ! ألا ينقض غرضه في مورد الكافر والمنافق ؟ !
هامش
( 1 ) الغزالي ، المنخول : 317 .
( 2 ) راجع : الشوكاني ، إرشاد الفحول 1 : 222 - 223 ؛ والسمرقندي ، ميزان الأصول في نتائج العقول : 460 - 461 ؛ وعبد الكريم النملة ، المهذب في علم أصول الفقه المقارن 2 : 836 ؛ ومحمد مصطفى شلبي ، أصول الفقه الإسلامي : 111 .