سكوته هذا لا يخلّ بعصمته ؛ لأنّ المفروض أنّه لم يترك واجباً عليه ، حتى يكون ذلك منافياً لقانون العصمة الثابت في علم الكلام الإسلامي .
إلا أنّ هذا الأمر قد يواجه صعوبةً على أساس أنّ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا شك في شمولها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ففي واقع الأمر المفهوم المثار أعلاه تامّ صحيح لا غبار عليه ، فإثبات وجوب النهي عن المنكر عليه صلى الله عليه وآله وسلم مما لا شك فيه ؛ حيث هو - كسائر المسلمين - مشمول لما دلّ من الآيات على ذلك ، إلا أنه لابدّ لإثبات فائدة هذا الكلام بالنسبة إلينا - على مستوى استنتاج موقف شرعي من سكوته - من تحقق شروط :
الشرط الأوّل : أن نتأكّد أنّ الفعل أو الترك حرام حتى يكون نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهياً عن منكر ، وهذا الت - أكّد نستفيده من عدم سكوت النبي ، وإلا فلو سكت كشف ذلك عن عدم حرمة الفعل .
الشرط الثاني : أن نُحرز أن شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت متحقّقة حتى يجب على النبي الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقد ذكر الكثير من الفقهاء أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهما شروط ، منها أن يحتمل الآمر والناهي التأثيرَ في الطرف الآخر المأمور والمنهي ، ومنها أن لا يخشى الآمر والناهي الضرر على نفسه من الأمر والنهي ، وإلا سقط التكليف عنه ، وطبقاً لهذه الأسس الشرعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نرى أنّه لعلّ سكوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لأجل عدم احتمال التأثير على تقدير اشتراط هذا الاحتمال ، حتى لو قلنا بعدم اشتراط عدم الخوف عليه ، إذ ذلك من
هامش
المقدسي الحنبلي ، أصول الفقه 1 : 354 ؛ والرهوني ، تحفة المسؤول 2 : 200 ؛ والإمام المهدي ابن مرتضى ، منهاج الوصول : 572 - 573 ؛ ومحمد الطيب الفاسي ، مفتاح الوصول : 240 - 241 ؛ وحسن حنفي ، من النص إلى الواقع ، محاولة لإعادة بناء علم أصول الفقه 2 : 439 ؛ وشرح الورقات في أصول الفقه : 170 .