فيها كما ادّعى ابن العربي ( 543 ه - ) « 1 » ، حيث خالف في ذلك قلّة قليلة ، كما فيما نُسب إلى أبي بكر الباقلاني ( 403 ه - ) ، وذهب إليه الجويني ( 478 ه - ) في خصوص كتاب « التلخيص » ، من اعتقادهما أنّ السكوت لا يعمّ ؛ لأنه ليس بخطاب « 2 » ، فيكون منحصراً بتلك الواقعة لا يُتعدّى عنها ، فيُستفاد منه الجواز لذلك الفاعل لا لغيره ، فلو شرب زيدٌ الماء جالساً أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسكت النبي عن فعله ولم يعلّق ؛ فإنّ أقصى شيء تعطيه هذه الحادثة هو جواز شرب الماء في تلك الحال لزيد نفسه فقط ، ويصعب أن نقوم بتعميمها لغيره بحيث نقعّد الموقف بوصفه حكماً شرعياً لعامّة المسلمين .
اللهم إلا إذا قصد مدّعي نفي الخلاف ، أنه لا خلاف في الجملة ولو في حقّ الفاعل خاصّة ، فيشمل الباقلاني والجويني ؛ لعدم مناقشتهما في أصل حجية التقرير ، وإنما في دائرة الاستفادة منه .
هذا ، وقد انتُقد الباقلاني وغيره بقانون اشتراك الأحكام بين المكلّفين ؛ فإذا جرى حكمٌ على ذاك الفاعل جرى على غيره أيضاً ، وقد نُقل هذا القول عن الجمهور « 3 » .
ولعلّ القاضي الباقلاني كان يقرأ الموضوع من زاوية معرفية لا واقعية ، أي من زاوية إمكانية معرفة الموقف التشريعي من الحادثة بالنسبة إلينا ، لا من ناحية أن سكوت النبي - بشروطه - لا يعني واقعاً دلالة الرخصة ، تماماً كما ستكون طبيعة بعض ملاحظاتنا القادمة على حجيّة التقرير ، فما يقوله الطرف المقابل الناقد للباقلاني والجويني صحيح ، إلا أنّ المشكلة تكمن في عدم القدرة على تحديد طبيعة ملابسات الموضوع والحدث بالنسبة إلينا ، بحيث نحتمل خصوصيات خفيت عنّا كان لها تأثير في تحديد الموقف ،
هامش
( 1 ) ابن العربي ، المحصول في أصول الفقه : 112 .
( 2 ) جلال الدين المحلّي ، شرح جمع الجوامع 3 : 230 ؛ والشوكاني ، إرشاد الفحول 1 : 221 ؛ والمرداوي ، التحبير 3 : 1493 ؛ وانظر رأي الجويني في التلخيص 2 : 246 - 247 .
( 3 ) المرداوي ، التحبير شرح التحرير 3 : 1493 ؛ والشوكاني ، إرشاد الفحول 1 : 222 .