الفعل ليس نسخاً للأحكام ولا من أساليبه عرفاً وعقلائياً ، اللهم إلا في ظروف نادرة ، لجريان الاحتمالات فيه .
د - قد تساعد الأفعال على تحديد الحكم الوضعي « 1 » ، وليس التكليفي فقط ، كأن يمسّ النبي زوجته فيتوضأ أو ينام فيتوضأ ، إذ ذلك في بعض الأحيان يكشف عن الناقضيّة والبطلان ، أو نجده يوجّه الذبيحة إلى القبلة حال الذبح ، ولا يأكل من ذبيحةٍ لم تستقبل بها القبلة ، فنستفيد الشرطية ، أو يجعل يساره للبيت حين الطواف فنستفيد الشرطية أيضاً ، إذا التقت القرائن .
وبهذا تكون الأفعال دالةً حيناً بالمطابقة وأخرى بالتضمّن وثالثة بالالتزام .
لكن الإنصاف - مع ذلك كلّه - أن دائرة الاستفادات المذكورة كلّها من الأفعال قليلة جداً ؛ لكون الدلالة صامتة ؛ فتحتاج إلى حشد شواهد غير عادية ، ولهذا نُصّ على عدم العموم في دلالة الأفعال « 2 » ، فأن يمسّ النبي زوجته ثم يتوضأ ليس دليلًا على الناقضية ، لاحتمال الاستحباب في ذلك ، أو صدور ناقض آخر منه هو الذي أوجب عليه الوضوء ، لهذا صرّح الأصوليون - كالشاطبي - بقصور دلالة الفعل ، لتعدّد الاحتمالات والأسئلة حوله ، وصعوبة تبيّن أجوبتها منه لوحده . نعم ، انضمام الفعل إلى القول يمنحه قوّةً ودلالة « 3 » .
نعم ، الأفعال البيانية كتلك التي تكون بدافع بيان أمر ، كما لو سأل السائل عن كيفية الصلاة ، فأقامها أمامه ، لها موضعها في الفقه ومكانها المهم ، وهي شكل من أشكال البيان النبوي كما ذكروا « 4 » .
هامش
( 1 ) انظر : الشاطبي ، الموافقات 3 : 299 - 300 .
( 2 ) الجصاص ، الفصول في الأصول 1 : 36 .
( 3 ) الشاطبي ، الموافقات 3 : 278 - 279 ، 283 ، وانظر تفصيل دلالات الأفعال عنده في المصدر نفسه : 280 - 285 .
( 4 ) انظر - على سبيل المثال - : ابن قيم الجوزية ، إعلام الموقعين عن رب العالمين 2 : 315 .