تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 617

مساهمون:

ص٦١٧
ولم يظهر وجهٌ لهذا الاتجاه سوى دليل التأسّي الذي بيّنا أمره آنفاً ، وهو لا يفيد هنا سوى الإباحة ؛ لعدم إحراز صدور الفعل عن النبي على غير وجه الطبيعة أو على أيّ وجهٍ شرعي ، وقد شرطنا في التأسّي تحقيق وجه الفعل إلى جانب صورة الفعل ، ولعلّه لذلك أو غيره تردّد في مسألة دوران الفعل بين الجبلّي والشرعي مثل ابن اللحام في المختصر « 1 » . الاتجاه الثالث : وهو الاتجاه الذي يرى عدم إمكان الاستفادة التشريعية من الأفعال الجبليّة ، كما أشرنا لدى البحث عن تعريف مصطلح السنّة بداية هذا الكتاب ، وقد طرح هذه الفكرة في الأفعال العادية الأعم - ظاهراً - من الجبليّة ، الشيخُ البهائي ( 1030 ه - ) في زبدة الأصول « 2 » ، ثمّ تبنّاها الشيخ عبد الله المامقاني « 3 » في القرن الرابع عشر الهجري ، ولا مبرّر لذلك ما دام يمكن توظيف هذا الفعل الجبلّي في إثبات عدم التحريم في الحدّ الأدنى ، أي استفادة الإباحة كما بيّنا ، فلا يصحّ قول بعضهم بأنّه لا يُتّبع النبي في شيء في هذه الأفعال « 4 » إذا قصد بالاتباع المعنى المطلق الشامل للإباحة ، لا ما إذا قصد الاتباع المستبطن لمفهوم الاستحباب . هذا ، ولا بأس بمراجعة ما ذكرناه في تعريف السنّة مطلع هذا الكتاب .

2 - الأفعال الجبليّة ذات الهيئات الخاصّة

النوع الآخر من الأفعال النبوية هو ما كان من أفعال الجبلّة لكن على هيئة خاصّة ، كما لو كانت له هيئة خاصّة في قعوده يداوم عليها ، أو طريقة خاصّة في أكله وشربه يداوم عليها كذلك ، فالاقتداء هنا ليس في أصل القعود بل في الهيئة الخاصّة له ، وهذا ما
هامش
( 1 ) ابن اللحام ، المختصر في أصول الفقه : 74 . ( 2 ) البهائي ، زبدة الأصول : 87 . ( 3 ) المامقاني ، مقباس الهداية 1 : 68 - 69 . ( 4 ) انظر : عبد الكريم النملة ، الجامع لمسائل أصول الفقه : 136 .