فيؤخذ بها ، وتمام ما قلناه في الفعل يجري في الترك ، لكن بحسبه ، ومن هنا يُعلم أنّه لو دلّ دليل على فعل النبي لأمرٍ وتركه له معاً في زمانين ، ولم تُحرز خصوصية لزمان أو حال فرضت الفعل تارةً والترك أخرى ، دلّ ذلك على الجواز بالمعنى الأخص ، بناءً على عدم تركه المستحب ولا فعله المكروه ، أو دلّت على سقوط الحرمة والوجوب معاً ، وهذا معطى إضافي يقدّمه لنا الفعل أيضاً .
ومن هذا كلّه ، ظهر أن حجيّة الفعل تعبّر عن درجة من الكشف عن الحكم الشرعي أنقص مما في الأدلّة اللفظية بكثير ، فلا معنى للقول بوجوب فعل كلّ ما فعله أو استحبابه ليتحقق مفهوم التأسّي كما ذهب إليه - وفق ما تقدّم - بعض أصوليي أهل السنّة ؛ فإن وجوب الإتيان بفعلٍ صدر عن النبي على وجه الاستحباب سيغدو وجوباً ثانوياً ، أي وجوب التأسّي لمحض التأسّي ، مع أن المراد من التأسّي استطراق الفعل النبوي لمعرفة أحكام الله في حقنا لا لمحض التأسّي ، فإنّ هذا هو الظاهر من الأدلّة ؛ إذ يُفهم من القرآن ونصوصه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبيل لمعرفة أحكام الله تعالى الثابتة بقطع النظر عنه ، فيكون فعله وقوله سبيلًا لتحديدها علينا أو لاكتشافها في حقنا بعد أن ثبتت سلفاً ، لا ظهور تكليفٍ في حقنا - بعد معرفة فعل النبي - اسمه التأسّي ، حتى لو لم يكن في الواقع حكم للأمر في حدّ نفسه ، ومعه فالفعل النبوي طريق وكاشف كالقول لا غير .
أنواع الفعل النبوي وحالاته
تتعدّد أنواع الفعل النبوي ، وتختلف فيما بينها ، ولابدّ لنا هنا من استعراضها ومعرفة حكم كل واحد منها ، مدخلًا لفهم الموضوع وإشكاليّاته ، وحاصل أهمّ أنواع الأفعال النبوية ما يلي :
1 - الأفعال الجبليّة العامّة
النوع الأول من أنواع الفعل النبوي هو ما كان من أفعال الجبلّة الطبيعية ، كحركات