تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 613

مساهمون:

ص٦١٣
ثانيهما : وجه الفعل ، بمعنى أن نقوم بالفعل على الوجه والمنطلق الذي قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفعل على أساسه ، فلو صدر الفعل من النبي على وجه الوجوب وبنيّته كان معنى ذلك وجوب الفعل ، ومؤداه أنه لو أتي بالفعل لكان الاقتداء غير حاصل إلا على نية الوجوب ، وهكذا لو أتى النبي بالفعل على وجه الاستحباب لم يحصل التأسّي إلا بالإتيان على الوجه عينه . ومن هذا القبيل لو أتى النبي بالفعل عن عذر طرأ عليه فإنّ ذلك يدلّ على جواز الفعل في هذه الحال لا مطلقاً فيكون منطلقه هو الاضطرار أو الضرورة أو الحرج أو نحو ذلك . نعم ، محض قيام النبي بفعلٍ ما لا يدلّ على أزيد من إباحة الفعل ؛ لأن القيام بالفعل متساوي النسبة إلى احتمال الوجوب والاستحباب والإباحة بالمعنى الأخص ، بل الكراهة إذا لم يناف صدورُها العصمةَ ، ومعه فيقع الفعل مجملًا لا حكاية فيه عن شيء ، فلا يستفاد منه سوى الجامع العام والقاسم المشترك ، وهو جواز الفعل بالمعنى الأعم المقابل للحرمة ، بل جوازه في بعض الأحوال خاصّة على تقدير عروض احتمال أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم له كان لعذر طارىء برّر ذلك ، ومن الواضح - بناءً على هذا كلّه - أنّ الأفعال تخالف الأقوال من حيث الصمت في الدلالة فيها ، فليس فيها إطلاق وعموم وفق ما يراه العرف والعقلاء ، ولهذا لا يؤخذ منها سوى الدلالة المتيقنة ، فتندرج في الأدلّة اللبية لا اللفظية ، من هنا نبقى فيها مع الجامع إلا مع قيام دليل . وهذا الدليل هو ما نسمّيه قرينة الفعل ، التي تخرجنا من حدّ الإباحة إلى حدّ الوجوب أو الاستحباب . . ولا ضابط لهذه القرينة ، بل هي تابعة لمناسبات المسألة وظروفها ، فالأمر العبادي يدلّ عادةً على الاستحباب في الحدّ الأدنى « 1 » ؛ وذلك لأخذ
هامش
( 1 ) إنما قلنا : بالحدّ الأدنى ، لذهاب بعضهم - كما يظهر - إلى الوجوب ، كما نصّ على أنه ظاهر المذهب المالكي أبو الوليد الباجي في كتاب المنهاج في ترتيب الحجاج : 20 ، 128 ؛ وذكر القرافي في شرح تنقيح الفصول : 226 ، نسبة هذا القول إلى مالك والأبهري وابن القصّار والباجي وبعض الشافعية ، نعم ، نسب للشافعي نفسه استفادة الاستحباب ، كما نسب إلى القاضي أبي بكر وعن الإمام مالك وأكثر المعتزلة الوقف .