بما لا يطاق ، لاستلزامه التأسّي بالنبي بكل شيء فَعَلَه ، حتى لو وضع يده في موضع لزم أن نضعها فيه « 1 » .
إلا أنّ هذه الملاحظة يمكن لأنصار الاتجاه الأول تفاديها بالقيد الذي وضعوه في نظريتهم ، وهو قيد إلا ما خرج بالدليل ، بحيث يدّعى أنّ الكثير من هذه الموارد العادية يتيقّن بعدم لزوم التأسّي بها ، وهو ادّعاء يلقى قدراً كبيراً من الصحّة ؛ انطلاقاً من السيرة الإسلامية المتصلة ، ومن استلزام التكليف بما لا يطاق . وسيأتي الموقف من هذا الاتجاه قريباً .
الاتجاه الثاني : ما ذهب إليه أهل الظاهر وبعض الشافعية وأبو بكر الصيرفي والقفال والقاضي أبو حامد ، فيما نسب إليهم ، وتبنّاه بعض علماء الإمامية ، من أنّ أفعال النبي تقع على الندب والاستحباب إلا ما خرج بالدليل « 2 » .
والذي يبدو مستنداً لهذا الفريق هو آية التأسّي بعد حملها على الاستحباب « 3 » ، وسيأتي الحديث عن طبيعة دلالة الآية وأمثالها هنا .
الاتجاه الثالث : القول بحمل فعله صلى الله عليه وآله وسلم على الإباحة ، إلا ما خرج بالدليل .
الاتجاه الرابع : ما اختاره المحقق الحلي في معارج الأصول وأبو إسحاق الشيرازي في التبصرة ، ونسب إلى أكثر الشافعية ، وأبي بكر الدقاق وأكثر المتكلّمين ، من التوقف في المسألة وعدم البت فيها « 4 » ، وكأنّ المبرّر في ذلك تساوي الاحتمالات التي تفسّر لنا
هامش
( 1 ) انظر : ابن حزم ، الإحكام في أصول الأحكام 4 : 471 ؛ وابن عربي ، الفتوحات المكية 2 : 165 .
( 2 ) انظر : ابن حزم ، الإحكام في أصول الأحكام 4 : 458 ؛ والنبذ في أصول الفقه الظاهري : 70 ؛ والنراقي ، مستند الشيعة 19 : 247 ؛ وهو الظاهر من علي بن يونس العاملي ، الصراط المستقيم 3 : 291 ؛ والشيخ الطوسي ، التبيان 8 : 328 ؛ والجصّاص ، أحكام القرآن 3 : 465 - 466 ؛ والشيرازي ، التبصرة : 242 .
( 3 ) انظر : الشيرازي ، التبصرة : 243 ، وقد ردّ عليه في الصفحة التالية .
( 4 ) انظر : المحقق الحلي ، معارج الأصول : 170 ؛ والشيرازي ، التبصرة : 243 .