نظر إليها فلا قيمة له على مستوى بحثنا كما صار واضحاً ، وعليه نقول :
أ - إن قصد به التفسير الثالث ، أي ما نجده في القرآن لا داعي فيه للذهاب إلى السنّة ، فهو مردود ، بصرف النظر عن كون السنّة واقعية أو محكية ، وبصرف النظر عن كون المحكية منها قطعية أو ظنية ؛ وذلك أن كون السنّة فيها زيادة - كما أقرّ بذلك الشق الثاني من الدليل - معناه أن هذه الزيادة قد تكون تأسيساً لحكم ليس له عين ولا أثر من جذوره في القرآن كالرجم مثلًا على ما قيل ، وقد لا تكون تأسيساً بهذا الشكل ، بل بيان لحكم فرعي غير موجود في القرآن ، لكنّه موجود في السنّة ، مثل تفاصيل الإطلاقات والعمومات بناءً على إمكان تقييد القرآن بالسنّة ، كما عليه كثير من الأصوليين ، فليس البيان الزائد مساوقاً دوماً لحكم أجنبي ، بل يشمل حكماً متصلًا بحكم قرآني غايته لم يبين هذا الحكم القرآني ، وإنّما أطلق القرآن القاعدة فيه ، والتي تقبل الاستثناء ؛ فهذا تماماً مثل القوانين الفرعية تحت القاعدة الدستورية ، وهي قوانين يسنّها المجلس النيابي ، وتؤسّس لشيء تحت القاعدة ، فلا يمكن الوقوف عند الدستور دون العودة للقوانين الفرعية .
وهذا كلّه يعني أنّ الرجوع إلى القرآن لا يدلّ على الاستغناء عن الرجوع ولو في المرحلة التالية إلى السنّة .
ب - وإذا قصد به التفسير الثاني ، أي البدأة بالكتاب والتثنية بالسنّة ، فهو جيّد في الجملة ، لا بالجملة ؛ لأننا إذا فرضنا السنّة بياناً للكتاب فلا يكون ذلك دليلًا - دائماً - على لزوم البدأة بالكتاب ، بل قد يقول الفريق الآخر بأنّ ذلك - ولو في بعض الحالات على الأقلّ ، كما لو قيل بعدم إمكان فهم القرآن بغير السنّة وفق ما أشرنا سابقاً إليه من ذهاب بعضهم إلى ذلك - دليل على ضرورة تفسير القرآن بالسنّة ، لأن المبيّن يستعان على تفسيره بما يكون بياناً له ، وحيث كانت السنّة بياناً لزم حملها مع الباحث عند تفسير القرآن وفهمه ، فالبيانية قد تكون لصالح مساواة النصين لبعضهما في الحدّ الأدنى ، لا تقدّم الكتاب على السنّة .
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 589
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٨٩