كتابان ينسب أحدهما لمؤلفٍ ما بنحو اليقين والثاني ينسب إليه بنحو الظن - قائم على الانطلاق من النص المؤكّد لكي يرشدني إلى التعامل مع النصّ غير المؤكّد ، والعقلاء لا يرون في هذه الحال صواب الانطلاق من النصّ المظنون الصدور ، بصرف النظر عن دلالته ، لنطلّ عبره على المقطوع الصدور .
ج - يبدو من هذا الدليل أنه يقدّم العلم على الظن بصرف النظر عن حجية هذا الظن ، ومن الواضح أن هذه النتيجة التي تستوحى من هذا الدليل لا تلغي الرجوع إلى السنّة بعد الفراغ من الكتاب ، انطلاقاً من احتمال وجود معطيات إضافية معينة ، لكنها تريد أن تجعل المنطلق هو الكتاب ثم العودة إلى السنّة المعتبرة :
1 - أما إذا توصلنا إلى نتيجة من الكتاب ، فإن قطعيّته لا تعني إلغاء مرجعية السنّة في الموضوع الذي قدّم لنا الكتاب معطيات فيه ؛ وذلك أنه ما دامت السنّة الظنية حجة ، فإنه يجب الرجوع إليها بعد الكتاب ، بناءً على إمكان تخصيص الكتاب بالخبر ، أو نسخه به ، أو بيان بعض تفصيلاته ، ومجرّد أن الكتاب قطعي الصدور والسنّة ظنية الصدور لا يعني سقوطها عن المرجعية - عقب الرجوع إلى الكتاب - بعد افتراض حجية هذا الظن أيضاً ، لا سيما لو كانت حجيته قد أخذت من الكتاب نفسه بآية النبأ وغيرها ، فلا يثبت هذا الدليل التفسير الثالث لنظرية التقدم القرآني .
2 - أما لو كان بأيدينا علم مع ظنّ حجة معتبر ؛ فإنه حيث كان اعتبار الظنون من باب كشفها عن الواقع لا أمراً تعبّدياً صرفاً ، كما حققه علماء أصول الفقه ، فمن الطبيعي هنا أن الارتكاز العقلائي يقضي بالشروع من العلم نحو الظن ؛ لأن حجية الظن مرهونة بدرجة كشفه ، ودرجة الكشف في السنّة المحكية مرهونة بتناسبها - انسجاماً وتصادماً - مع النصّ المقطوع الصدور في الكتاب ، لأن أيّ عاقل إذا أخبرته بأن لديّ كتاباً مقطوع النسبة إليّ وأن كل ما يقال عني خارج هذا الكتاب فهو محتمل الصدق ، فمن الطبيعي أن لا يتوصّل هذا العاقل لنتيجة تحدّد موقفي حتى لو أعطيته الحجية للأخبار المحتملة إلا في ضوء النصوص الموجودة في النصّ المقطوع ، إذ بها يحدّد معيار
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 585
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٨٥