تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
ومن الواضح أن هذا الدليل يتحدث عن الظن ، إذاً فهو لا ينظر إلى السنّة الواقعية ، وإنما نظره إلى السنّة المحكية بشطرها الظنّي ( أخبار الآحاد ) ، وهو ما يبرّر استخدام لفظ السنّة في عنوان الدراسة عند الأصوليين بدل كلمة أخبار الآحاد ، خلافاً لما انتقده السيد محمد تقي الحكيم « 1 » . وإذا تأملنا في هذا الدليل نجده يثبت على أبعد تقدير - انطلاقاً من الارتكاز العقلائي في التعامل مع ظاهرتي العلم والظن - ما يلي : أ - لو تعارض ظن مع يقين ، فلا معنى لتقديم الظن على القطع ، بل يؤخذ باليقين ؛ إذ مع وجود الدليل القطعي ينكشف بطلان الدليل الظني . وهذه القاعدة صحيحة عقلائياً ، لكن علماء أصول الفقه يمكن أن يناقشوا فيها من حيث عدم كفايتها هنا دائماً ؛ لأنّ القرآن وإن كان قطعي السند لكنّه ليس قطعي الدلالة دوماً ، وعليه فإذا أخذ بالسنّة المعارضة للقرآن فقد أخذ بظن مقابل ظن ، لا بظن مقابل قطع ، علماً أنه قد تكون السنّة قطعية الدلالة ظنية الصدور ، فيما الكتاب قطعي الصدور ظني الدلالة ، فيتساويان في درجة اليقين . وهذا الكلام المؤسّس في علم أصول الفقه عند حديثهم عن تخصيص الكتاب بخبر الواحد ، لا نخوض فيه ، فبحثه هناك ، لكن نشير إلى أن الطبع العقلائي لو خيّر بين نص مقطوع الصدور ظنّي الدلالة يعارضه تماماً نصّ قطعي الدلالة ظني الصدور ، فمن الواضح أنه يرجّح الأول على الثاني من حيث المبدأ ، ما لم تبرز خصوصيّات ليست داخلةً في بحثنا الآن ، وسيأتي بعض التعليق . ب - لو لم يتعارض العلم والظن ، لكنني أحرزت أن في الكتاب حكماً وفي السنّة حكماً أيضاً ، فإن العقلاء يتجهون نحو العلم أولًا ، ولا يستنسبون الانطلاق من المظنون إلى المقطوع على المستوى السندي والصدوري ، فارتكاز العقلاء - لو كان بين يديهم
هامش
( 1 ) محمد تقي الحكيم ، الأصول العامّة للفقه المقارن : 248 - 249 .