تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
النص والاعتبار ، وقد تأتي بمعنى الحجيّة والقيمة المعرفية ، حيث يقولون : خبر الواحد معتبر ، والقياس لا اعتبار له ، كما تأتي بمعنى أخذ العبرة ، حيث يقولون : يستحبّ الاعتبار بحال الماضين ، وهكذا . والملفت أنّ الشاطبي هو صاحب نظريّة عدم استقلال السنّة النبويّة بالتشريع ، وأنّ كل تشريعات السنّة مآلها إلى القرآن الكريم ، وهي نظرية احتوت لبساً وغموضاً في مقصود الشاطبي منها ، كما تقدّم ذلك مفصّلًا في موضعه من هذا الكتاب ، لكنّ الشاطبي في بحثنا هنا سجّل نقداً على نفسه بأنّ العلماء يقرّون بتخصيص السنّة للقرآن ونحو ذلك ، فكيف يقدّم هو - أي القرآن - عليها ، مع أنّ التخصيص تقديمٌ للدليل المخصِّص على الدليل المخصَّص ؟ ! وقد أجاب الشاطبي بأنّ السنّة بيان للقرآن ومراداته ، وهي لا تؤسّس حكماً جديداً « 1 » ، وهذا الكلام يجعلنا نربط بين نظريّة الشاطبي في استقلال السنّة النبويّة بالتشريع وكلامه في التقدّم الرتبي للقرآن الكريم . وقد حاول الشيخ محمد الخضري ( 1345 ه - ) الولوج أكثر في دعم هذه النقطة عند الشاطبي ، وذلك عندما ذهب إلى أنّ السنّة لما كانت بياناً للقرآن نفسه ، فلو شرحتُ لك أوامر الملك فإنّ هذه الأوامر لا تنسب لي وإنّما تنسب للملك نفسه « 2 » . الأمر الذي يجعلنا نقترب من التفسير الثالث المتقدّم لنظرية التقدّم القرآني . إذن ، ربما نكون أمام تداخل نظريّتين ، قد تكون إحداهما هي التي أنتجت الأخرى عند الشاطبي وأنصاره ؛ فعندما لا تفعل السنّة شيئاً سوى أنّها تشرح القرآن ، ولا تؤسّس لأمر ، فهذا يعني أنّها في الرتبة التالية للكتاب ، فلا يمكنها أن تعارضه ، بل تسقط إن فعلت ذلك ، ولا يمكن أن تزيد عليه أو ترتفع فوقه ، وإذا حصلنا على الحكم الشرعي من القرآن فأيّ معنى للرجوع إلى السنّة حينئذٍ ؟ ! فما دمنا قد فهمنا كلام الملك
هامش
( 1 ) المصدر نفسه 4 : 394 - 395 . ( 2 ) الخضري بك ، أصول الفقه : 282 .