5 - التقدّم الترجيحي للكتاب الكريم على السنّة الشريفة
ربما يقصد بنظريّة التقدّم القرآني - وهو ما احتمل « 1 » أنّه مراد الشاطبي من نظريّته الآتية قريباً بعون الله - أنّه إذا تعارض القرآن مع السنّة ، يقدّم القرآن حينئذٍ ولا يؤخذ بالسنّة ، فلا تستوعب نظريّة التقدّم القرآني غير حالات التعارض .
وهذا الكلام صحيح من جهة ، ولا موضوع له من جهةٍ أخرى ، وذلك أنّه :
أ - إذا كان المقصود بالسنّة هو السنّة الواقعيّة ، أي واقع ما صدر عن النبي ، فلا معنى - طبقاً لنظرية العصمة وحتى غيرها إلى حدّ ما - لفرض تعارض بين الكتاب والسنّة ، إلا إذا كان تعارضاً بدويّاً ، أو صورة تعارض موهومة ؛ فنظريّة تقدّم القرآن لا معنى لها في هذه الدائرة ، لعدم وجود مصداق لها حينئذٍ .
ب - وأما إذا كان المقصود هو السنّة المحكيّة ، مثل أخبار الآحاد ، فمجال الحديث وارد ، ونظرية سقوط حجية السنّة المحكيّة الظنيّة بمعارضة القرآن صحيحة وثابتة ، وقد درسناها دراسةً موسّعة في موضعه ، وأثبتنا - على مستوى صياغة القاعدة ومنهجيّتها - ليس فقط سقوط حجيّة الخبر بمعارضة الكتاب ، وإنّما عدم ولادة الحجيّة في أيّ خبر إلا بعد عرضه على الكتاب للتأكّد من أنّه غير معارض له ؛ فنظرية التقدّم القرآني بهذا التفسير الخامس لها صحيحة .
الشاطبي بين نظريتي : التقدّم القرآني وعدم حجيّة السنّة المؤسِّسة
تقدّم أنّ الشاطبي طرح نظرية تقدّم القرآن على السنّة ، واستدلّ لذلك بعدّة أدلّة ، وقد تبعته على ذلك بعض الشخصيات السنّية ، مثل الأستاذ محمود أبو رية « 2 » ، والشيخ محمد عبد العزيز الخولي في كتابه « مفتاح السنّة » « 3 » الذي طبع قبل حوالي ثلاثة أرباع
هامش
( 1 ) انظر : الموافقات 4 : 392 ، الهامش .
( 2 ) أضواء على السنة المحمدية : 39 - 42 .
( 3 ) محمد عبد العزيز الخولي ، مفتاح السنّة أو تاريخ فنون الحديث : 6 - 7 .