فإنّ هذان الخبران يؤكّدان أنّ ما يقوله أهل البيت كلّه عن رسول الله ، وأنّهم لا يقولون برأيهم وبنظرهم أبداً ، فلو كانوا مفوّضين في التشريع بحيث يقولون ما لم يكن قد قاله رسول الله لم يكن لهذا اللسان البياني في الروايتين من معنى .
وسند خبر قتيبة فيه شبهة إرسال فيتوقف فيه ؛ فإنّه يرويه محمد بن عيسى عن يونس ، وقد حققنا في محلّه أنّ هذا السند يتوقف فيه ، رغم توثيقنا كلًا من يونس وابن عيسى الواردين فيه ، وكان يمكن الاستغناء عن طريق ابن عيسى إلى يونس لو صحّ خبر عنبسة ، لكن فيه يحيى بن أبي عمران الذي تُبنى وثاقته - على أبعد تقدير - إما على تفسير القمي ولم يثبت ، أو على رواية إبراهيم بن محمد التي تفيد وكالته ، لكن في الرواية نفعاً لإبراهيم بن محمد فيتوقّف فيها « 1 » .
المجموعة الثالثة : ما دلّ على أنّهم على بيّنة بيّنها لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مثل :
خبر فضيل بن يسار ، عن جعفر عليه السلام ، أنه قال : إنّا على بيّنة من ربنا بيّنها لنبيّه فبيّنها نبيّه لنا ، فلولا ذلك كنّا كهؤلاء الناس « 2 » . فهذا الخبر دالّ على أنّ كل ما يقولونه هو ببيّنة بيّنها رسول الله لهم ، لا بفعل رأيهم كما يذهب هؤلاء الناس من أهل الرأي والقياس .
ويناقش بأنّ البيّنة هذه غير واضحة ؛ فقد تكون فهماً وبصيرةً بملاكات الأحكام ومناطاتها الواقعية بحيث يرون حقائق الأشياء التي تمكّنهم من تشريع الأحكام ، ولم تقل الرواية بأنّ هذه البيّنة هي نفس هذه الأحكام بيّنها لهم الرسول .
أمّا السند ، فهو معتبر في كتاب الاختصاص ، لكنّ ثبوت نسبة كتاب الاختصاص إلى الشيخ المفيد محلّ نظر كما حقّقناه في علم الرجال ، ولم نحرز مؤلّفه أو وثاقته ، وأمّا في كتاب بصائر الدرجات ففيه إرسال ؛ إذ يروي الحسين بن سعيد الأهوازي عن فضيل بن يسار ، وبينهما واسطة مفقودة قد تكون هي فضالة بن أيوب عن جميل بن دراج
هامش
( 1 ) معجم رجال الحديث 20 : 26 - 28 .
( 2 ) بصائر الدرجات : 321 ؛ والاختصاص : 280 - 281 .