سورة النجم سبق أن شكّكنا في إطلاقيتها ، والقدر المتيقن منها هو القرآن الكريم ، ومع عدم التأكّد من إطلاقها لا يمكن الاستدلال بها هنا « 1 » .
وأمّا ما جاء في الآيات الكريمة وملابسات نزولها من أنّ النبي كان ينتظر الوحي ولا يجيب قبل نزوله ، فهذا غايته بطلان نظرية التفويض التشريعي ، إذ التفويض ظاهر في جعل كلّ أمور الدين بيده ، لكنّه لا يبطل نظرية الولاية التشريعة أو نظرية حقّ التشريع المستقلّ للنبي ؛ إذ لا مانع من أن تكون دائرة ولايته التشريعية المستقلّة غير مطلقة ، بل محدودة في بعض الدوائر ، وتكون الموارد التي ورد في القرآن انتظار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للوحي فيها خارجةً عن الدائرة التشريعية الخاصّة به .
علماً أنّ ظاهر روايات التفويض التشريعي أنّ النبي فوّض له أمر الدين في المرحلة اللاحقة على تأديبه وصيرورته ذا خلق عظيم ، وأنّ ذلك جاء - فيما يبدو - مع آية الائتمار والانتهاء النازلة مع سورة الحشر ، فلا يبعد أن يكون مراد هذه النصوص أنّ التفويض التشريعي جاء في هذه المرحلة من حياة النبي في أواسط العقد الهجري الأوّل ، فيما نصوص الانتظار للوحي كانت قد حصلت في حالات ووقائع سابقة على هذا الزمان ، إلا إذا ثبتت مثل هذه الحالات بعد نزول سورة الحشر أيضاً . من هنا فالاحتمالات متعدّدة ، ولا يمكن إبطال حقّ التشريع للنبي - ولو في الجملة - بمثل هذا الاستدلال .
نعم ، يمكن أن يفهم من بعض الآيات القرآنية المنضمّة إلى بعضها ما يشير إلى عدم تفويض الدين للنبي مطلقاً ، مثل قوله تعالى :
( ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ )
( المائدة : 99 ) ، وقوله :
( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ )
( النحل : 35 ) ، وقوله :
( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ
هامش
( 1 ) ذكر المحقق الإصفهاني الغروي في الفصول الغروية : 317 ، أنّه لا مانع من الالتزام بتشريع النبي لأحكام بعد كمال عقله وإمضاء الله تعالى له ، لكن يشرط النطق بها بأن ينزل عليه فيها الوحي ، وهذا كلام معقول في نفسه ، وإن كان كلاماً افتراضياً .