تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
تديّنهم لا يعبر عنه بكمال دينهم ، وإنما كمالهم بالدين ، فإكمال الدين لهم ظاهر في تعلّق الإكمال بالدين ويكون هذا الإكمال لهم ، لا تعلّق الإكمال بدينهم فلاحظ . هذا فضلًا عن أنّ الإكمال منصرف إلى دخول جزء أخير على منظومة الأجزاء يفرض حصول الاكتمال ، الأمر الذي يدلّ على حصول اكتمال في أجزاء الدين نفسه . وعندما يطالب الرسول في سياق يسبق أحداث نزول آية الإكمال بأن يبلّغ ما أنزل إليه من ربه ، وإلا فما بلّغ الرسالة ، فإنّ هذا معناه أنه بعد أن بلّغ ما أنزل إليه من ربّه يكون قد بلّغ الرسالة لا جزءها أو بعضها ، ولهذا قالوا له في حجّة الوداع وشهدوا جميعاً بأنّ الرسول قد بلّغ ، وهذه كلّها مؤشرات اكتمال الرسالة وبلاغها ، ولا أقلّ من كونها تعيق جداً مفهوم تعليق جزء من هذه الرسالة إلى ما بعد عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم . من هذا كلّه ، يظهر أنّ الأقرب في الآية أنّ الله سبحانه يريد أن يخبرنا في أواخر حياة النبي بأنّ هذه الرسالة قد كملت وأنّ أمر هذا الدين قد استتبّ ، وأنّه قد رضي لنا الإسلام ديناً فلا شيء بعد ذلك ؛ فإنّ لسان هذه الآية الكريمة لسان الإعلان عن انتهاء الأمور وإتمام الرسالة والمهمّة الملقاة على كاهل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم . ويؤيّد هذا المعنى ما جاء في خطبة الوداع المشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : ما من شيء يقرّبكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به ، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه « 1 » ؛ فإنّه يفيد أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بيّن للناس كل شيء من المقرّبات والمبعدات . هذا ، وأمّا وجود روايات في هذا الصدد - كما سيأتي - تحكي عن تشريعات عديدة بعد عصر النبي ، فإذا استظهر من الآية - كما هو الأقوى - حصول إكمال الدين للمسلمين كانت هذه الروايات معارضةً للكتاب على تقديرٍ ، أو لها معنى آخر على
هامش
( 1 ) الكليني ، الكافي 2 : 74 ؛ والشافعي ، المسند : 233 ؛ والبيهقي ، السنن الكبرى 7 : 76 ؛ وابن عبد البر ، جامع بيان العمل وفضله 2 : 190 .