وأمّا القول باندكاك كلّ ما سيقوله الأئمة عليهم السلام بعد ذلك في هذه الآية وأمثالها ، فهذا كلام غير عُرفي إطلاقاً ، كما كرّرنا أمثاله ، كما أنه لم يبرهن عليه ، فهل إذا أمرنا العقل باتّباع الأنبياء معنى ذلك أنّ تمام ما أتى به الأنبياء موجود عند العقل عبر أمره هذا لنا باتباعهم ؟ ! بل إنّ آية واحدة تأمر باتّباع القرآن الذي سينزل بعدها واتباع النبي كافية حينئذٍ في صحّة التوصيف بإكمال الدين أيضاً ! !
الثانية : ما يفهم من بعض الكلمات من أنّ معنى تمام الدين هو تمامُه في لوح الواقع لا في لوح الظهور ، فيكون قد تمّ في النفس الولوية والنبوية حتى لو لم يظهر للناس بأجمعه ، من هنا يمكن الجمع - وفق هذا الرأي - بين ما دلّ على إتمام الدين عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أتى به الأئمة عليهم السلام بعده من أحكام لا وجود لها لا في الكتاب ولا في السنّة النبوية .
إلا أنّ التفكيك في التمام والكمال هنا بين الواقع والظهور ، بين تحقّق الشيء في نفسه وبين بروزه للغير ، غير واضح ؛ إذ الظاهر من الآية الكريمة أنه قد أتمّ النعمة عليهم وقد أكمل الدين لهم ، لا أنّه أتمّ وأكمل بصرف النظر عنهم ، وهل يريد أن يخبرهم بأنه انتهى من تشريع الأحكام في مقام الجعل والاعتبار مع عدم ربطٍ لهم بذلك ؟ ! بل ما معنى أن ينهي الله مرحلة تشريعه للأحكام فيما بينه وبين نفسه وهو العالم المطلق الذي لا معنى لمثل هذه الافتراضات في حقّه ؟ ! وأمّا إكمال الدين في النفس النبوية بصرف النظر عن ظهوره للناس ، فهو صرف تأوّل بعد قوله : ( لكم ) و ( عليكم ) في الآية لا للنبي أو الولي ، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية المشافهين ، فظاهر الآية خطاب لهم بإكمال الدين وهو ما يُستفاد منه عرفاً إكماله على مرآهم لا في الخفاء وفي النفس النبوية والولوية ، وإلا لأُبرز شاهد أو مؤشّر على ذلك .
الثالثة : ما يستوحى من كلمات بعض المفسّرين وإن ظهر منه بعدها ذهابه إلى أنّ إكمال الدين باكتمال تشريعاته « 1 » - ، من أنّه لا يمكن تفسير كمال الدين بتمامية الأحكام
هامش
( 1 ) انظر : الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن 5 : 181 - 182 ؛ والشيرازي ، الأمثل 3 : 595 .