( المائدة : 67 ) ، قد وردت في السورة عينها بعد عشرات الآيات من آية إكمال الدين ، فلو كان ترتيب نزول آيات سورة المائدة بهذه الطريقة الموجودة الآن في تمام الآيات ، لكان المفترض - وفقاً للنظرية الشيعية التي يؤمن بها هذا المفسّر الكبير - أن تقع آية إكمال الدين بعد آية البلاغ ، لنزول آية البلاغ قبلها .
الرابعة : ما ذكره بعض المفسّرين ظهوراً للآية أو احتمالًا في تفسيرها ، من أنّ إكمال الدين هنا إنّما هو بمعنى : كفيتكم خوف عدوّكم وأظهرتكم عليهم ، كما تقول : الآن كمل لنا الملك . وكمل لنا ما نريد ، أي كُفينا ما كنّا نخافه « 1 » .
ولعلّ ما يؤيّد هذا التفسير وقوع هذا المقطع من الآية الكريمة مسبوقاً بالإعلام بيأس الكافرين من الدين الحنيف ، فهؤلاء قد يئسوا من أن يقضوا عليكم ، فصرتم أمراً واقعاً لا يمكن إلغاؤه بوجه أبداً ، فيكون إخباره عن إكمال الدين نتيجة طبيعية لبيانه يأس الذين كفروا ، وإذا جعلت هذه الآية نازلةً في غدير خم بعد إعلان الإمام علي بن أبي طالب خليفةً بعد الرسول فهذا المعنى يتعزّز أكثر فأكثر ؛ لأنّ المعنى حينئذٍ : إنّه بالولاية استحكم أمركم ولا خوف عليكم إذا ما توفّي الرسول ، وبالولاية سيكون أمركم في خير وعافية .
لكنّ هذا الكلام لا يخلو من مناقشة ؛ فإنّ الملك بطبيعته يكون كماله باستتبابه ، ولهذا انصرف معنى الكمال - لمّا نسب إلى الملك - إلى الاستتباب والقوّة والمنعة ، لكنّ الأمر ليس كذلك في إكمال الدين ، فالدين ليس سوى هذه النظم والمفاهيم والعقائد والقيم ، أي هو الإسلام ، فكماله يكون بكمال مفاهيمه أو بصيرورة النازل عليهم ممّن كملوا بالدين ، فعندما تقول : أكملت لكم دينكم يحتمل أنّ المراد كمال دينهم ، بمعنى كمال تديّنهم ، كما يحتمل أن يراد كمال الدين في نفسه بتمامية الوحي واكتمال مرحلة النزول ، والاحتمال الثاني أقرب وإن ظلّت بعض الاحتمالات قائمة بشكل ضعيف ؛ لأنّ اكتمال
هامش
( 1 ) انظر : التبيان 3 : 435 ؛ والكشاف 1 : 593 ؛ ومجمع البيان 3 : 274 .