تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
يوجد فيها حكمٌ مستقل عن القرآن ، ومعنى ذلك أنه لا يرفض حجيّة كلّ السنّة التي بأيدينا اليوم ، بل يراها غير مستقلّة . كما يعيد هذا الكلام إلى ذهننا ما قلناه عند الحديث عن الدليل الأول لمنكري حجية السنّة حينما قسّمنا السنّة إلى أنواع عديدة ، وخرجنا هناك بأنّ أكثر ما بأيدينا من السنّة يعود إلى شؤون شرح الكتاب أو ما يتصل به ، لا إلى شؤون التأسيس أو الزيادة أو الإضافة عليه أو التصرّف فيه . وعلى أية حال ، فلا يظهر المبرّر في جعله السنّة بأكملها غير مستقلّة ؛ فإنّ وجود الكثير من السنّة المفسّرة والمفصّلة و . . لا يعني صيرورة كلّ ما بأيدينا من سنّة غير مستقلّ ، فإذا كان هناك دليلٌ من الأعلى يثبت - ولو لم نرَ بأعيننا - عدم استقلال أيّ نص نبوي عن القرآن الكريم فليبُرز هذا الدليل ، ولا نجده حتى الآن واضحاً بحيث يُلزمنا بالاقتناع بأنّ ما نراه بعقولنا غير موجود في القرآن الكريم هو في الحقيقة موجودٌ فيه ولو لم نرَ نحن ذلك ، ومثل الآيات الدالّة على حجيّة السنّة لا تعني أنّ السنّة صارت مستبطنةً في الكتاب ، فمثل هذه الدعاوي غير واضحة ولا ظاهرة عرفاً ، كما أوضحنا ذلك غير مرّة . وأمّا إذا فُقد هذا الدليل الأعلائي الفوقاني على الاستبطان المذكور ورجعنا إلى عقولنا فيما تفهمه وتراه ، فلا يصحّ ادّعاء أنّ الاستقراء يفيد رجوع تمام السنّة إلى الكتاب ، فأين هي كيفية الصلاة فيه ؟ وأين هي عقوبة الرجم ؟ ومجرّد أن تقول آيةٌ ما :
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )
( النحل : 90 ) لا يعني أنّ كلّ خبر نبوي يستبطن عدلًا يرجع إلى هذه الآية ، فهذا سبيل تكلّفي غير عرفي في الدلالة والاستظهار ، كما سبق أن تعرّضنا لذلك . فوجود سنن مستقلّة أمرٌ لا يكاد يُنكر ، لا سيما إذا وسّعنا دائرة الاستقلال إلى مثل بيان التفاصيل غير الموجودة في الكتاب ، وكانت هذه التفاصيل كثيرة مثل كيفية الصلاة .