نعم ، بإمكان الشاطبي أن يدّعي تشكيكه بصدور هذه الأحاديث كلّها الموجودة بين أيدينا في هذا المجال ، لكنّ هذا الأمر بنفسه يحتاج إلى بيان وتفصيل واستدلال وتحليل ، ولا يمكن سوقه بهذه الطريقة ، وكذلك إمكانية أن يدّعي تاريخية كلّ هذه النصوص ، وأنّها جعلت بملاكات زمنية بوصف النبي حاكماً أو مديراً لشؤون الجماعة المؤمنة ، وليست تشريعات إلهية ربانية ، لكنّ هذا كلّه يعني أنّ نظرية الشاطبي لم تكتمل بعدُ ما دامت لم تقدّم تفسيراً منطقياً يدخل كلّ هذه النصوص ضمن هذه السياقات الجديدة .
الدليل الرابع : ما ورد في نصوص السنّة نفسها من عرض الأحاديث على القرآن « 1 » ، فما وافق الكتاب يؤخذ به وما خالفه يطرح ؛ إذ لا معنى لذلك ما دام في الأحاديث ما هو غير القرآن الكريم ، فإنّ العرض حينئذٍ يساوق نفي هذه النصوص .
وقد أسلفنا عند الحديث عن أدلّة عدم حجية السنّة ما يفيد هنا ، وفصّلنا الكلام في نصوص العرض على الكتاب في أبحاثنا في حجية خبر الواحد ، وتوصّلنا هناك إلى أنّ المقدار المؤكّد الموثوق بصدوره من هذه الروايات عند الشيعة والسنّة مع ضمّ بعضها إلى بعض هو أنّ الناظر في أيّ حديث يصله يجب عليه أن يعرضه على الكتاب ، فإذا وجد فيه انسجاماً مع الروح القرآنية ومع الخطّ القرآني أخذ به ، وأمّا إذا وجده غير منسجمٍ معه بل هناك تنافر وعدم تناغم بينهما طرح هذا الحديث ، وهذا المعنى لا يدلّ البتّة على عدم حجية السنّة التأسيسيّة ، فلو وردت رواية في دعاء ما يوم عرفة أو في ليلة القدر ، فهذه الرواية من السنّة المنسجمة مع الكتاب ولا يقال عنها : إنّها لا توافق القرآن ، أمّا لو جاء حديث عن تحريم التعامل الخيّر مع المسالمين من أهل الكتاب ، فإنّنا نطرحه ؛ لأنّه يعارض الروح القرآنية المتمثلة بمثل قوله تعالى :
( لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ
هامش
( 1 ) انظر : الشوكاني ، إرشاد الفحول 1 : 187 .