تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
وعلى أية حال ، فقد ادّعى مثل الشوكاني اتفاق من يُعتدّ به من أهل العلم على حجية السنّة المستقلّة ، بل رأى ذلك من الضرورات الدينية ، مستندين في ذلك إلى بعض الروايات التي تقدّمت في الدليل الروائي على حجية السنّة ، مثل أنّه صلى الله عليه وآله وسلم أوتي القرآن ومثله معه « 1 » ، وهو دليل لم ينهض - كما تقدّم - على أصل حجية السنّة ، فضلًا عما نحن فيه . إذن ، نحن أمام صورتين لمقولة السنّة المستقلّة : صورة ليست في واقعها - مهما كانت - سوى تفسير للسنّة النبوية ، من موقع اعتبارها منطلقةً من الكتاب ، وهذه الصورة لا تغيّر من نهج تعاملنا مع نصوص السنّة شيئاً ، فهي ذات طابع تفسيري معرفي صرف ، وصورة أخرى ترى السنّة في واقعها خاضعةً لنص الكتاب ومرجعيّته فيما ظهر منه ، بمعنى أنّ أيّ نص من السنّة لا يظهر له أنموذج أو شاهد في الكتاب لا يكون حجّة ، بل علينا تفسيره على أنّه اجتهاد نبوي أو حكم ولائي حكومي زمني نبوي لا قيمة له بعد عصر النبي ؛ لأنّه لا يمثل شريعةً إلهيّة . إنّ الصورة الثانية تغيّر تغييراً جذرياً من نهج تعاملنا مع السنّة النبوية ؛ لأنّها تحتكم إلى فهمنا للقرآن وليس إلى الإحالة على مضمون قرآني مجهول لدينا ، والسؤال : ماذا قصد الشاطبي من نظرية إبطال السنّة التأسيسيّة ؟ هل قصد المعنى الأوّل أم الثاني ؟ هذا ما سوف نلاحظه عند ملاحقة أدلتّه التي سجلّها في الموافقات إن شاء الله تعالى . وهناك مجال لاحتمال ثالث في فكرة السنّة المؤسّسة ، لا أظنّ أنّ الإمام الشاطبي كان يقصده ، وهو ما تثيره بعض النصوص الحديثية الشيعية في الغالب ، والتي تتكلّم عن تفويض التشريع إلى النبي أو إليه مع أهل البيت ، بمعنى أن يقوم هو بالتشريع ، لا أن يتلقّاه من المولى سبحانه وتعالى ، فكأنّه ينظر بعين الله ويرى المصالح والمفاسد والملاكات والمناطات الحقيقية ماثلةً أمامه ، بحيث لو أراد الله تعالى أن يشرّع لشرّع هذا الحكم
هامش
( 1 ) انظر : الشوكاني ، إرشاد الفحول 1 : 187 ، 189 .