وأما ما ذكره يحيى محمد ، فيناقش بأنّ كون إظهاره لحاجاته الشخصية الخاصّة ليس بوحي ، مجرّد استبعاد ، والوحي لا ينحصر بالملك جبرائيل حتى نتحدّث عن انقطاع الوحي القرآني ، فقد ينقطع الوحي في مجال دون مجال .
وبهذا ظهر عدم صحّة الاستدلال بهذه الآيات القرآنية على منع الاجتهاد النبوي ؛ لما ذكرناه من المناقشة الصحيحة ، وإن كانت أغلب المناقشات التي ذكرت غير موفّقة فيما يبدو .
ب - آية الحكم بالإراءة الإلهيّة ، اتجاه محدّد أم موقف حياد ؟ !
الدليل القرآني الثاني الذي يمكن أن يطرح هنا ، هو الاعتماد على قوله تعالى :
( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً )
( النساء : 105 ) .
فهذه الآية الكريمة التي سبق أن تعرّضنا لبحثها في أدلّة المجوّزين للاجتهاد النبوي ، تستعرض هنا للانتصار لنظرية منع الاجتهاد النبوي ! ! « 1 » .
وأجيب عن هذا الاستدلال ، تارةً بأنّ الحكم بالاجتهاد هو حكمٌ بما أراه الله ، وأخرى بأنّ الحكم بما استنبط من الوحي هو حكمٌ بالمنزل وبما أراه الله « 2 » .
والصحيح ما ذكرناه مفصّلًا فيما سبق حول هذه الآية ، من أنها - بمقدارها المتيقّن - تقصد مما أراه الله عينَ القرآن الكريم ، أي ليحكم على طبق القرآن ، ولهذا فهي لا تدلّ على أزيد من ذلك وهل حكمه يكون في تمام تفاصيله عن وحي أو عن اجتهاد ، فلا نعيد ولا نطيل .
ج - آية افتراء الوحي ، وإقحام مقولة الاجتهاد النبوي ( محاولة ابن حزم )
ثالث أدلّة مانعي الاجتهاد النبوي هو قوله تعالى :
( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي
هامش
( 1 ) انظر : الآمدي ، الإحكام 4 : 401 ؛ والتفسير الكبير 11 : 33 .
( 2 ) الآمدي ، الإحكام 4 : 403 .