تقول بأنّ كل ما فعله النبي فهو وحي ، والاجتهاد فعل نبوي وليس نطقاً نبوياً ، أي أنّه عملية فكرية و . . يقوم بها الناس في داخلهم ، فلا تكون مشمولة للآية ، لأنّها لم تقل : وما يفكّر إلا بوحي ، أو ما يجتهد إلا عن وحي ، وإنّما قالت : إنّ نطقه يكون وحياً .
ولم يغب عن بال الآمدي فوراً إشكال أنّ الاجتهاد النبوي لابدّ عادةً من أن يخرج بإصدار حكم من طرف النبي ، فيحصل النطق بالحكم المجتَهَد به ، وحيث دلّت الآية على أنّ كل نطق منه فهو وحي ، كان معناه أنّ ما عنده وحيٌ وليس اجتهاداً ، وإلا لبطل عموم الآية الكريمة .
ولحلّ هذا الإشكال ، أدخل الآمدي مفهوماً جديداً بالحسبان ، اعتبر أنّ به يكون الحلّ ، وذلك أنّ الله تعالى يمكن أن يقول له : إذا اجتهدت ووصلت إلى حكم ، فإنّ ما تتوصّل إليه ولو بالظن هو حكمي الإلهي الواقعي ، وعليه ، فعندما ينطق النبي بالحكم الذي اجتهد به يكون ناطقاً عن إخبار الوحي له بأنّه حكم الله لا عن هوى . وبهذا يتمّ الجمع بين دلالة التعميم في الآية وبين نظرية الاجتهاد النبوي « 1 » .
أما عبد الغني عبد الخالق ، فأكمل طريق الآمدي حينما سجّل عليه إشكالًا جديداً ، ثم دافع عنه ، وحاصل الإشكال أنه بناءً على كلام الآمدي يلزم أن يكون نطق جميع المجتهدين باجتهاداتهم نطقاً بوحي . والجواب : أما على التخطئة فواضح من حيث إنّ الله لم يخبر أحداً من المجتهدين بأنّ كل ما يتوصّل إليه فهو مطابق لحكم الله الواقعي ، وأما على التصويب فأيضاً كذلك ؛ لأنّ الله سيقول حينئذٍ : إنّ ما توصّلت إليه - أيّها المجتهد - هو حكمي الواقعي في حقّك وحق من يقلّدك ، لا مطلقاً ولسائر الناس ، على خلاف ما يقوله للنبي صلى الله عليه وآله من أنّه حكمي عليك وعلى الجميع مطلقاً « 2 » .
ويمكن التعليق على ذلك كلّه :
هامش
( 1 ) راجع : الآمدي ؛ الإحكام 4 : 405 .
( 2 ) حجية السنّة : 167 - 168 .