التي تريد الآية أن تقدّمها أنها تريد التأكيد على أنّ ما يلقى في روعه أو يتوصّل إليه بفكره هو من عند الله ، على خلاف سائر البشر الذين قد يتوصّلون إلى أشياء بفكرهم أو بوجدانهم ومشاعرهم تكون ناتجةً عن البيئة أو الوراثة أو السلوك أو . . لا بإرادة إلهية مباشرة تكشف عن حقّيّة ما توصّلوا إليه ، فإذا تمّ هذا الكلام تمّ الجواب ، وإلا فلا .
المناقشة الرابعة : ما ذكرناه عندما تعرّضنا للاستدلال بهذه الآية الكريمة على حجية السنّة ، حيث قلنا : إنّها وقعت في سياق مخاطبة المشركين الذين يكذّبون النبي في دعواه النبوّة والقرآن ، لا سيما مع قرينة :
( ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى )
وتكملة الآيات من سورة النجم تشير إلى جبرائيل ، وهذه كلّها شواهد تقيّد إطلاق ضمير هو الوارد في الآية الكريمة ، وإذا لم تقيّد الإطلاق فإنها - لا أقلّ - تحول دون الجزم بانعقاده ، وهذا ما ذهب إليه بعض العلماء والمفسّرين أيضاً « 1 » .
وهذا معناه أنّنا نشك في أنّ الضمير المنفصل « هو » هل يرجع إلى المقدّر في الآية الكريمة السابقة وهو منطوق النبي ، أم إلى القرآن الكريم نفسه ؟ ومع الشك نأخذ بالقدر المتيقن ؛ لوجود ما يحول دون استظهار الإطلاق ، بما يشبه ما يسمّيه المحقق الخراساني بالقدر المتيقن في مقام التخاطب ، وربما لهذا وجدنا بعض الكلمات التفسيرية القليلة تربط الآية بالقرآن فقط دون أن تشير إلى غيره ، كما يظهر من الشيخ الطوسي وغيره « 2 » .
وبذلك لا يعود في الآية إطلاق يركن إليه ، فلا تستوعب غير القرآن الذي هو وحي ، فتكون صامتةً عن كون غير القرآن وحياً أم لا .
هامش
( 1 ) راجع : الميزان 19 : 27 ؛ والتقرير والتحبير 3 : 397 ؛ وابن الحاجب ، المختصر 3 : 586 ؛ والإيجي ، شرح المختصر 3 : 586 ؛ والجيزاوي ، الحاشية على شرح المختصر 3 : 587 ؛ وعلي حسب الله ، أصول التشريع الإسلامي : 78 ؛ وحجية السنّة : 166 ؛ ولهذا لم يجعل عبد الغني عبد الخالق هذا الدليل في زمرة أدلّة حجية السنّة .
( 2 ) التبيان 9 : 422 ؛ والفراء ، العدّة 2 : 440 ؛ وإرشاد الفحول 2 : 219 .