ولسنا بحاجة هنا إلى الاعتماد على دليل خارجي ، وهو صدور الرأي من النبي في قضايا الحرب والمصالح الدنيوية هرباً من الإشكال بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، على أساس أنه وإن كان السياق سياق الحديث مع المشركين - في إطار حادثة الإسراء والمعراج - الذين لا معنى للبحث معهم في سنّة النبي ووحيّية كلامه في أمور الدنيا ، وإنّما الكلام معهم في أصل النبوة والقرآن . . إلا أنّ هذا لا يهمّ بعد أن كان اللفظ عاماً في وحيّية كلّ ما ينطق به النبي ، وذلك أنّ قاعدة « العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب » إنّما تجري في مورد نحرز فيه عموم اللفظ لو خلّينا وإياه بصرف النظر عن السبب ، وكذلك عندما لا يؤثر السبب في إجمال اللفظ نفسه من حيث بعض تعابيره ، والمشكلة هنا من هذا النوع ، فإنّ ضمير « هو » الموجود في الآية الكريمة حصل فيه تردّد من حيث إنه لا نعرف ماذا يقصد منه ، فهذا تماماً كقولك - بعد أن قيل لك : هل نكرم زيداً ؟ : أكرموا الرجل ، فإنه لا معنى للأخذ بإطلاق الرجل في الجواب لجعله عاماً لكلّ رجل ، بحجّة أنه لا عبرة بخصوص السبب والمورد ؛ لأنّ السبب هنا أحدث تحوّلًا في الدلالة ، لا في الإطلاق فحسب ، أي أنّ الألف واللام في كلمة « الرجل » حوّلها من الجنسية إلى العهدية الذكرية ، ولا يوجد عرف لغوي يقبل بالتمسّك بالإطلاق هنا ، والأمر عينه فيما نحن فيه ؛ فعندما يكون السياق المحيط سياق حديث مع المشركين الذين يواجهون دعوى النبوة والقرآن لا حجيّة ووحيّية كلّ ما ينطق به النبي حتى غير القرآن والأمور الدنيوية ، فإنّ هذا السياق سيحول دون انعقاد دلالة في كلمة « هو » تصلح للتعميم ، ولا تهمّنا القواعد الأصولية بقدر ما يهمّنا الفهم العرفي المباشر ، كما بيّناه في غير موضع .
وبعبارة أخرى جامعة : إنّ كلامنا هنا في تأثير السياق على المعنى ، وليس فقط في تأثير محلّ الورود على المعنى .
المناقشة الخامسة : ما ذكره الآمدي - واعتبره عبد الخالق أقوى المناقشات - وخلاصته : إنّ الآية الكريمة تحكم بأنّ كل ما نطق به النبي فهو عن وحي ، لكنها لا
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 486
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٨٦