أولًا : إنّ هذا الكلام يرد عليه إشكال نقضي ، وهو أنّ الفقهاء والمجتهدين يمارسون الاجتهاد نتيجة أنّ الوحي تعبَّدهم بذلك ؛ ومع ذلك لا يصدق - لا عرفاً ولا عقلائياً - أنهم ينطقون عن الوحي ، فإذا كان اجتهاد النبي بأمر من الوحي يصحّح نسبة ما يجتهده للوحي كان لابدّ من تطبيق ذلك بعينه على اجتهاد المجتهدين ، ولا قائل به « 1 » .
ثانياً : هناك فرقٌ واضح جليّ بين الاجتهاد استناداً إلى الوحي وبين كون ما يجتهده المجتهد وحياً « 2 » ، والآية حكمت بأنّ ما ينطق به النبي وحيٌ ، ولم تقل : إنّ اجتهاده مستند إلى الوحي ، فليس النطق فيها ناتجٌ عن أمر الوحي نفسه ، كما هو واضح ، وتأويل الوحي في الآية بما يشمل الحالتين تأوّل لا شاهد له .
المناقشة الثالثة : ما ذكره جماعة من الأحناف من أنّ اجتهاد النبي ضربٌ من الوحي الباطن وليس نطقاً بالهوى ، وهذه الطريقة تدخل هذا الاجتهاد في عموم الآية وإطلاقها « 3 » .
والجواب : إنّ هذه المناقشة فيها رهانٌ على الألفاظ ، فماذا يراد من الوحي الباطن ؟ ! فإن أريد أنّه يوحى إليه أو يلهم من الله تعالى عبر ملاك أو من وراء حجاب أو غير ذلك ، فهذا وحيٌ مصطلح وليس هو الاجتهاد النبوي ، وإن أريد أنّ نفس ممارسته للتفكير كما نفعله نحن البشر ويفعله المجتهدون في علوم الدين والدنيا . . مؤيدةٌ من الله بحيث يوصل له الأمر عبر اجتهاده وتفكيره ، ويسدّده بحيث لا يخطأ ، فهذا اجتهاد ، ولا يعبّر عنه قرآنياً بالوحي ، على ما هو المعروف في نظريّاتهم في مفهوم الوحي .
نعم ، لا يوجد مانع لغوي يحول دون تسمية ذلك بالوحي ، بأن يكون الله يوحي لقلب النبي أو لعقله بما يريد عبر هذه المقدّمات الطبيعية الفكرية البشرية ، وتكون الميزة
هامش
( 1 ) البهائي ، زبدة الأصول : 161 ؛ وحجية السنة : 169 .
( 2 ) البهائي ، زبدة الأصول : 161 ؛ وحجية السنّة : 170 .
( 3 ) راجع : التقرير والتحبير 3 : 398 .