والجواب : إنّ الكلام في أنّ ظاهرةً كهذه لو عرفتها الحياة النبوية لكان منطق التناقل الخبري بين الناس يقضي بتوافر الدواعي لنقل ذلك ، فلا معنى لعدم الاطلاع ، وتعبّده بالاجتهاد لكن لا موضوع له خارجاً يصبح بلا معنى .
نعم ، قد يجتهد لكن عندما يبرز الحكم لا يبيّن أنه عن اجتهاد ، ولعلّ هذا هو مراد الغزالي فيكون مما لا بأس به في الجملة .
2 - 1 - 8 - قياس النبي بجبريل واستحالة منطق الاجتهاد
ثامن أدلّة النافين هنا هو ما ذكره العلامة الحلي من أنّه إذا جاز للنبي أن يجتهد لجاز لجبريل أن يجتهد ؛ لأنّ ما يجمع بينهما هو كونهما مبلّغين عن الله تعالى ، ونحن نعرف أنّ الاجتهاد لا يجوز لجبريل ؛ إذ لو جاز له الاجتهاد لما حصل لنا علم بأنّ الشرع من عند الله سبحانه ، فإذا كان هذا حال جبريل ، فهو كذلك حال النبي صلى الله عليه وآله ، فلو اجتهد لانسدّ باب العلم بالشرع « 1 » .
وهذا الدليل ضعيف من جهات :
أولًا : إنّ أقصى ما يثبته عدم جواز الخطأ على اجتهاد النبي وجبريل ، وهذا لا ينفي الاجتهاد .
ثانياً : غاية ما يثبته هذا الدليل عدم حجية اجتهاد النبي وجبريل ، لكنه لا يلغي حجية نقلهما عن الله تعالى ، فلو قال النبي : إنه أخبره الله بكذا وكذا حكمنا قطعاً بالمطابقة ، أما إذا قال : أرى في ذلك كذا وكذا ، لم نأخذ بقوله ، وهكذا الحال في جبرائيل ، فهناك فرق بين حجيّة نقله وحجية اجتهاده ، فدليل حجية خبر الثقة لا يدلّ عندهم على حجية فتوى المجتهد ، والعكس صحيح ، ولا مانع من أن يكون هذا الدليل الذي ذكروه في روحه مفيداً لصدق النبي وجبريل ، لا لعدم اجتهاده فيما لا طريق له إلى محض النقل فيه .
هامش
( 1 ) مبادئ الوصول إلى علم الأصول : 240 ؛ وتهذيب الوصول : 284 .