تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
لحصل له تبدّل في الرأي ، فهذا أمر طبيعي في سيرة المجتهدين ، حيث يعثر على دليل جديد أو يعيد النظر في بعض الأسس الاجتهادية التي كان يعتقد بها ، وهذا ما يجعله في موضع تهمة تغيّر الرأي وتبدّل المواقف ، والحال أننا لا نجد ظاهرةً من هذا النوع في سيرة النبي صلى الله عليه وآله « 1 » ، كما لا نجدها في سيرة أهل البيت عليهم السلام . وفي صياغة تطويريّة لكلام الغزالي - وهو كلام لم يقبل به الغزالي نفسه بعد ذلك - ذكر بعض الباحثين المعاصرين أنّه لو كان النبي مجتهداً لظهرت عليه علائم الاجتهاد وأماراته ؛ ومن أهمّها التردّد في المسألة والتأمّل العميق نتيجة صعوبة العملية الاجتهادية والتوفيق بين الأدلّة المتعارضة ، وهذا ما لا نجده في سيرة النبي ؛ حيث لا نجد عنده أيّ تردّد في إصدار الأحكام ، بل كان يتّسم حكمه بالثبات واليقين ، وهذا كاشف عن أنّ منهجه في الوصول إلى الأحكام لم يكن منهج الاجتهاد « 2 » . ولكن هذا الدليل قابل للمناقشة ؛ وذلك : أولًا : إنّ هذا الدليل يسقط العملية الاجتهادية المعاصرة على الواقع السابق ؛ فيما ثبت بالأدلّة التاريخية أنّ الاجتهاد لم يكن بهذا التعقيد في تلك الأيام ، بل كان بسيطاً ومختصراً إلى حدّ أنّ بعض الباحثين في تاريخ التشريع والاجتهاد الإسلامي نفوا وجود ظاهرة الاجتهاد في الصدر الأوّل حتى بالنسبة إلى الصحابة . وظاهرةُ التعارض قليلة جداً نسبةً لما عليه الحال اليوم ؛ فهذا الإسقاط خطأ منهجي واضح ، بل لو درسنا سيرة الكثير من صحابة النبي لوجدنا عندهم هذه القاطعية واليقين ، وعوامل الشك والتذبذب شبه منعدمة لا سيما في حقّ مثل شخص رسول الله صلى الله عليه وآله . علماً أنّ الثقافة السائدة آنذاك ثقافة يقين وليست ثقافة شكّ وتعقيد علمي وتضارب آراء واختلاف أقوال .
هامش
( 1 ) الغزالي ، المستصفى 2 : 530 . ( 2 ) فرحان ، حركة الاجتهاد : 102 .