هذا الدليل جيد بمقدار ، لكنّه لا يبطل نظرية اجتهاد الرسول ، وذلك :
أ - إنّه من الممكن أن يُشترط في اجتهاد الرسول اليأس عن نزول الوحي عليه ، كما هي نظرية جماعة من الأحناف ، وفق ما تقدّم ، أو - كما قيل « 1 » - أن يكون الاجتهاد فيما يمكن فيه الاجتهاد لا ما لا يعرف إلا بالوحي ، فهذا الدليل يثبت عدم جواز اجتهاد النبي قبل أن ييأس من نزول الوحي ، وقصّة اللعان والظهار ، لم تطل المدّة فيهما حتى نزلت الآيات الواردة فيهما في سورتي : النور والمجادلة ، فلا يصحّ جعل هذه الشواهد دليلًا على أكثر من نظرية الأحناف .
ب - إنّ بعض هذه الشواهد ليس فيه دلالة على المطلوب أصلًا ؛ وذلك أنّ قصّة زكاة الحمير ، لم يذكر فيها الرسول صلى الله عليه وآله أنه لن يجيب وإنّما سينتظر الوحي ، بل ذكر آيةً قرآنية فيها حثّ عام على الخير ؛ استفاد منها الرسول في أصل الترغيب على زكاة الحمير مع عدم وجود وحي خاص يوجب هذه الزكاة أو يحرّمها ، كما أنّ بعض مرويات قصّة الظهار في المرأة - وهي خولة بنت خويلد أو خولة بنت ثعلبة - التي جاءت تجادل الرسول في زوجها ، تحكي عن أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أجابها بأنها حرمت على زوجها بالظهار ، وأثناء إلحاحها على رسول الله صلى الله عليه وآله نزلت آيات سورة المجادلة عليه « 2 » ، وهذا يفيد أنّ الرسول قد أفتى بحرمتها على زوجها ، ثم نزلت الآية تؤسّس لإبطال الظهار في الإسلام ، وفي بعض مرويّات قصّة هذه المرأة ما يفيد أنّ الآية نزلت فوراً دون إشارة لحكم النبي بالحرمة « 3 » ، مما يؤكّد أنه صلى الله عليه وآله لم يأخذ فرصة لإصدار حكم إلا وكانت الآية
هامش
ومبادئ الوصول : 240 ؛ والشوكاني ، إرشاد الفحول 2 : 218 ؛ والغزالي ، المستصفى 2 : 530 ؛ والتستري ، إحقاق الحقّ : 338 ؛ والشواف ، تهافت القراءة المعاصرة : 447 ؛ ورضواني ، اجتهاد الرسول : 306 - 307 ، ومنصور ، القرآن وكفى : 70 - 78 .
( 1 ) علي حسب الله ، أصول التشريع الإسلامي : 78 .
( 2 ) انظر : الطبرسي ، مجمع البيان 9 : 408 - 409 .
( 3 ) راجع : الواحدي النيسابوري ، أسباب النزول : 273 - 274 .