بعض عناصر العملية الاجتهادية ، لكنّه لا يثبت أنه في ذلك متّصلٌ بالوحي بشكل متواصل ، فلا ينفي هذا الدليل سوى خطأ النبي في الاجتهاد ، لا أصل وجود الاجتهاد ، سواء في أمر ديني أم دنيوي .
نعم ، إذا أخذت نظرية العصمة بمعناها الشيعي الذي تطوّر فيما بعد ، وصار يستوعب العلم المطلق الناجز للإمام والنبي إلى جانب كونه علماً حضورياً لدنياً إشراقياً ، مع ثبوت ولاية تكوينية له على كل العالم . . نعم ، إذا ثبت هذا بطل أساس نظرية اجتهاد النبي وقد قلنا ذلك من قبل ، وبحثُنا قائمٌ على صرف النظر عن هذه النظرية ، وهي نظرية لا يمكنها أن تتبلور بمعزل عن ملاحظة بحث اجتهاد النبي أيضاً ، من خلال معطياته وشواهده .
وبناءً على ذلك كلّه ، لا يستطيع هذا الدليل أن ينفي إمكان الاجتهاد النبوي في الجملة .
2 - 1 - 6 - ظاهرة التوقف النبوي وحصر السبل بالوحي الإلهي
الدليل السادس لنفي الاجتهاد النبوي هو ما ذكره جماعة من أنّ النبي كان يتوقّف في كثير من الأحكام حتى يأتيه الوحي ، ولو كان الاجتهاد جائزاً لكان من المفترض أن يصير إليه ويستخدمه ، بلا حاجة إلى انتظار تلقي الوحي ، وقصّة الظهار واللعان لم يحكم النبي فيهما بحكم منتظراً الوحي الإلهي ، بل إنه لم يحكم بميراث الخال والعمّة حتى ينزل عليه الوحي ، بل قد ذكر أنّ بعض الروايات تؤكّد أنه صلى الله عليه وآله سُئل عن زكاة الحمير فأجاب بأنه ما أنزل عليه فيها شيء ، إلا قوله تعالى :
( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )
( الزلزلة : 7 - 8 ) ، إلى غيرها من الوقائع والأحداث ، فظاهرة انتظار الوحي شاهد يؤكّد أنه لم يكن يستخدم الاجتهاد ، وإلا لصار إليه وعمل به « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر : ابن حزم ، الإحكام 5 : 699 ؛ والحلي ، نهج الحق : 406 ؛ وتهذيب الوصول : 284 ؛