عن اجتهاد منه وأخطأ في اجتهاده . وعليه ، كيف يمكن تصديقه فيما يقول ولعلّه اجتهد وأخطأ ؟ ! فهذا ما قد ينسف أساس البعثة النبوية « 1 » ، والنبي في بعض المواقف التي اعترض عليه بعض المسلمين فيها لم يجبهم في أيّ مرة بأنه اجتهد وأخطأ ، ولم نسمع هذه الكلمة منه إطلاقاً فلو كان مجتهداً لنقل عنه ذلك واستفاض « 2 » .
وبعبارة ثانية : إنّنا نقوم بالاستناد إلى نظرية عصمة النبي صلى الله عليه وآله عن الخطأ والذنب والسهو والنسيان ، فإذا كان معصوماً لم يكن مجتهداً « 3 » .
وهذا الدليل قد صار واضح الضعف ، وذلك :
أولًا : ليس هناك تلازم بين الاجتهاد وبين الخطأ ، فربما يكون النبي مجتهداً ، لكن لا يخطأ ، والقائلون باجتهاد النبي كثيرٌ منهم ذهبوا إلى عدم خطئه في الاجتهاد ، فلا تلازم إطلاقاً ، حتى لو عرّفنا الاجتهاد بما يأخذ فيه معنى الظنّ ؛ لأن الظن واليقين حالة نفسية ذاتية ، فيما الخطأ والصواب حالة واقعية موضوعية ، فقد يصيب الظن ويخطأ اليقين وقد يصيب اليقين ويخطأ الظن ، فلا تلازم بين الظن والخطأ عقلًا .
نعم إذا كان النبي يعرف بعصمته فلن يكون عنده ظنّ حينئذٍ ، بل سيضمّ كبرى العصمة إلى اجتهاده فيحرز بالقطع مطابقته للواقع ، فلا معنى للاجتهاد مع العصمة بمعنى استحالة الخطأ وامتناعه . إلا أننا قلنا بأنّ مفهوم الاجتهاد لا يقف عند الظنّ بل يستوعب حالات اليقين وليس بحثنا مضطراً للالتزام بالتعريف الأصولي الخاص عند بعضهم للاجتهاد عموماً .
ثانياً : لا تلازم بين إمكان خطأ الاجتهاد النبوي وبين سقوط اعتبار البعثة النبوية ؛ لأنّ أقصى ما يثبته هذا الدليل أنّ أصل النبوة وأصل الوحي والرسالة ، وما ينسبه
هامش
( 1 ) العلامة الحلي ، مبادئ الوصول : 241 ؛ ونهج الحق : 406 ؛ والتستري ، إحقاق الحقّ : 338 .
( 2 ) انظر : الغزالي ، المستصفى 2 : 530 .
( 3 ) البهائي ، زبدة الأصول : 161 ؛ وانظر : الآمدي 4 : 403 ؛ والحلي ، نهج الحق وكشف الصدق : 406 .