بل ربما يكون بإمكان الفريق الآخر - في سياق مناقشة ادّعاء السرخسي بالمعاينة المتواصلة الدائمة - أن يستند إلى قوله تعالى :
( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى )
( الضحى : 3 ) ، فإنّ المفسّرين المسلمين ذكروا هنا أنّ الوحي انقطع عن رسول الله صلى الله عليه وآله مدّة خمس عشرة ليلة على الأقلّ - وهناك كلام عن مدد زمنية أطول بكثير تصل حدّ السنوات - فأشاع المشركون أنّ الله تعالى قلى محمداً ، أي أبغضه وتركه ، فنزلت سورة الضحى الدالّة - كما يلاحظ - على مدى الرعاية الربانية للرسول صلى الله عليه وآله ، فإذا صحّ هذا التفسير « 1 » فهذا معناه أنّ الوحي قد ينقطع عن الرسول ويغتمّ النبي ويضيق صدره عند عدم نزول الوحي ممّا يسمّى ب - ( الفترة ) ، فكيف تنسجم هذه الصورة التي يطرحها المفسّرون المسلمون هنا مع كلام السرخسي أنه كان يعاين الوحي ويأتيه كلّ وقت ؟ !
وعليه ، فهذا الدليل غير تام أيضاً ، بل تعوزه الشواهد والمعطيات الإضافيّة .
2 - 1 - 3 - ظاهرة النزول القرآني النجومي وانتفاء فرضيّة الاجتهاد
ثالث أدلّة أنصار منع الاجتهاد النبوي هو ظاهرة النزول التدريجي للقرآن الكريم ، فإنّ نزول القرآن في كلّ موقع وحاجة نزولًا تدريجياً ، ليجيب عن كلّ أمرٍ مستجد يؤكّد أنّ النبي لم يكن ليحتاج إلى الاجتهاد ، قال تعالى :
( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا )
( الإسراء : 106 ) ؛ وقال سبحانه :
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا )
( الفرقان : 32 ) .
فهذه الآيات - مع الواقع التاريخي - دليلٌ على أنّ القرآن كان ينزل في موقع الحاجة ليثبّت فؤاد النبيّ والمؤمنين ، وليعينهم في المواقف والمواقع التي يحتاجون فيها إلى تحديد عملهم ووظيفتهم ، وهذا ما يؤكّد أنّ النزول التدريجي للقرآن لمدّة ثلاث وعشرين سنة كان بمثابة المعين للنبي والسادّ لحاجته إلى أيّ شيء آخر لتحديد موقفه ، فلا معنى
هامش
( 1 ) جاء هذا التفسير - على سبيل المثال - في : التبيان 10 : 368 ؛ ومجمع البيان 10 : 381 - 382 ؛ وجامع البيان 30 : 290 - 292 ، و . .