تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
الاجتهاد لا ينسجم مع النبوة ، والعكس صحيح . وبهذا لا ينفي هذا الدليل وقوع الاجتهاد النبوي فحسب ، بل يجعل وقوعه أمراً غير ممكن ، أي إنّه ينفي الإمكان فضلًا عن الوقوع . إلا أنّ هذا الاستدلال غير دقيق ؛ وذلك : أولًا : إنّ المستدل كأنّه تصوّر أن نظرية الاجتهاد النبوي تفرض النبيَّ مجتهداً في تمام مجالات الشريعة ، مثله مثل سائر المجتهدين ، ولا أحد - فيما نعلم - من أنصار نظرية اجتهاد النبي يثبت للنبيّ هذا النوع من الاجتهاد ، كلّ ما هنالك أنّ هناك مساحة محدّدة لا ينزل الوحي فيها على الرسول صلى الله عليه وآله يمارس فيها اجتهاداً للوصول إلى نتيجةٍ ما ، فلا يعني تجويز الاجتهاد النبوي أنّه استغنى عن الوحي أو أنّنا أبطلنا الوحي بالمرّة ، بل يصبح الاجتهاد وسيلةً في بعض الحالات إلى جانب الوحي الإلهي على أنواعه ، قرآنياً كان أم غير قرآني . ثانياً : حتى لو كان التعريف السائد للاجتهاد يستبطن فرضية الظنّ ، إلا أننا غير ملزَمين بالأخذ بهذه الفرضية ، وذلك أنّ بإمكاننا القول : إنّ النبي يجتهد في بعض الحالات بحيث يحصل على يقين ، لكنّ يقينه هذا لا يكون من العلوم الإشراقية اللدنّية الوحييّة ، وإنّما من ممارسته - كأيّ إنسان آخر - فعلًا عقلياً منطقياً أدّى به إلى اليقين بهذا الشيء أو ذاك ، فهذا الدليل قد يصلح نقداً على أنصار الاجتهاد الظنّي ، لكنّه لن يثبت أنّ كلّ ما عند الرسول هو من الوحي الإلهي ، فليلحظ ذلك . وعليه ، فهذا الاستدلال في غير محلّه . وقد لاحظنا أنّ العلماء بدؤوا يتحرّرون في بعض الأوساط من أخذ قيد الظن في تعريف الاجتهاد مستبدلين هذا القيد بقيد آخر ، وهو الحجّة فقالوا بأنه بذل الوسع في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي أو على الوظيفة الفعلية للمكلّف « 1 » ، وهذا التعريف
هامش
( 1 ) راجع : الخراساني ، كفاية الأصول : 529 ؛ والعراقي ، نهاية الأفكار ج 4 ، ق 2 : 216 ؛ والخوئي ،