أفضل ؛ فهو يستوعب مختلف مرافق العملية الاجتهادية الداخل - دينية .
2 - 1 - 2 - تلاشي موضوع الاجتهاد في حقّ النبيّ ، مقولة انتفاء الضرورة
الدليل الثاني لمنع الاجتهاد النبوي هو ما ذكره السرخسي وتبعه غيره - رغم كونه من أنصار نظرية تجويز الاجتهاد النبوي - وحاصله : إنّ الرأي من النبي فيه إمكان الخطأ ، ولا يصحّ اللجوء إلى الرأي إلا عند الضرورة ، تماماً كمسألة القبلة ، فإن الذي يتحرّى القبلة ويبدأ يجتهد في تحديد جهتها إنما هو الذي لا يراها أمام عينيه ، أما من يراها أمام عينيه فلا معنى للاجتهاد والرأي في حقّه ، إذاً فالرأي حكمُ ضرورةٍ ، وهذه الضرورة تثبت للأمّة دون النبي ؛ لفرض أنّ النبي يعاين ويعلم بالوحي الإلهي ، حيث كان يأتيه الوحي كلّ وقت ، وعليه فلا معنى لفرض الاجتهاد في حقّه حينئذٍ « 1 » . بل يحرم عليه الاجتهاد لأنّ من يمكنه تحصيل اليقين لا يجوز له العمل بالظنّ « 2 » .
وهذا الدليل - الذي ينفي الوقوع لا الإمكان الذاتي - فيه مشكلة أيضاً ؛ وذلك أنّ فيه مصادرة على المطلوب ؛ لأنه يفترض أنّ الوحي كان يأتي النبي في كلّ وقت ، وأنّ النبي كان يعاينه على الدوام ، إذاً فلا حاجة له إلى الاجتهاد ولا محلّ للضرورة في حقّه ، والبحث هنا عمليّاً في هذه المسألة ، فقد جعل السرخسي دليلَه عين نقطة الخلاف ؛ لأنّ أنصار نظرية الاجتهاد النبوي لا يؤمنون أنّه يعاين الوحي على الدوام بالطريقة التي تحدّث عنها السرخسي في هذا الدليل ، ولو كنّا قد برهنّا على ذلك لما احتجنا إلى هذا الدليل أساساً .
هامش
مصباح الأصول 3 : 434 ؛ والرازي ، هداية المسترشدين 3 : 347 ؛ والحكيم ، الأصول العامة للفقه المقارن : 561 - 564 .
( 1 ) السرخسي ، أصول الفقه 2 : 92 ؛ وانظر : العلامة الحلي ، تهذيب الوصول : 283 ؛ والفراء ، العدّة 2 : 441 .
( 2 ) التستري ، إحقاق الحق : 338 .