بأنهم لو لم يلقحوا لصلح ، ثم بان العكس ، فقد يكون هناك معنى لذلك من حيث أمره الناس بما لا يعلم وإخباره بما لا يطابق الواقع ناسباً له إلى الله سبحانه ، لكنّ ظاهر الحديث عدم الأمر ، فما استشكل به بعضهم فيه من أنّ ظاهره أمر الرسول الناس بما لا يعلم ، وهو غير ممكن في حقّ النبي « 1 » ، مخالف لظاهر روايات تأبير النخل بشكل واضح ، وسيأتي مزيد كلام .
سادساً : إنّ هذا الحديث يسقط حجية الأوامر النبوية التي تصدر عن رأي النبي ، مع أنّ الثابت قطعاً - بالكتاب وغيره - أنّ طاعة النبي لازمة لا مفرّ منها .
لكنّ الصحيح أنه لا يلزم من الأخذ بحديث التأبير سقوط وجوب إطاعة النبي ، وهي الثابتة في القرآن الكريم ، واعتبرناها من أدلّة حجية السنة النبوية في الجملة ؛ لأنّ حديث تأبير النخل بتمام صيغة - إلا الأخيرة بحسب الترتيب الذي عرضناه سابقاً - ليس فيه ما يؤشر على أنّ الرسول صلى الله عليه وآله قد أمرهم بشيء ، غايته أنه قال لهم بأنهم لو لم يلقّحوا لخرج صالحاً ، فدليل وجوب طاعة النبي خاصّ بصورة الأمر والنهي وما هو في قوّتهما ؛ لأنّ مفهوم الطاعة يتجلّى هناك ، ولا أمر ولا نهي هنا في حديث التأبير إطلاقاً ، وإنّما هو إخبار عن أمر دنيوي ، وهو أنهم لو لم يلقّحوا لصلحت التمرة وخرجت و . . . فلا منافاة بين حديث التأبير وأدلّة وجوب الطاعة .
نعم ، الصيغة الأخيرة للحديث علّق فيها النبي بأنّ ما يأمر به من أمور الدنيا لا يلزمهم الأخذ به ، وهذا ما ينافي إطلاقات أدلّة الطاعة النبوية ، وهنا نكون أمام خيارين : إما أن نقول : إنّ أخبار الآحاد - مثل حديث التأبير بهذه الصيغة - لا تواجه العمومات والمطلقات القرآنية فنطرح هذه الصيغة للحديث ، وهي مما ورد في صحيح مسلم ، لكن تبقى سائر صيغ الحديث على حالها ، فلا يسقط حديث التأبير بهذه المعارضة ، أو نقول : إنّ خبر الواحد التام السند يخصّص إطلاقات الكتاب ، فنخصّص
هامش
( 1 ) أسعد القاسم ، أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة : 240 .