فهذا الإشكال هنا لا يسجّل على الحديث ، ومنه نعلم أنّ ما استدلّ به بعضهم بهذا الحديث لفصل الدين عن الدنيا بالمعنى الواسع للكلمة غير دقيق أيضاً .
خامساً : ما ذكره الأستاذ صالح الورداني ، من أنّ حديث تأبير النخل وأمثاله يفتح الباب للتشكيك في شخص النبي وفي دعوته « 1 » .
وهذه الملاحظة النقدية تأخذ طابعاً شعارياً أكثر منه واقعي وعلمي ، فإنّ المفروض تحليل علاقة هذا الموضوع بأصل اعتبار نبوّة النبي ودعوته ، فما هو المانع العقلي والمنطقي أن يكون الرسول عالماً بالدين ولكنه لا يعلم بأمور دنيوية ، فهل عدم علمه بإصلاح أعطال السيارات والطائرات أو عدم علمه بالطبخ يشكّك في دعوته ، ويفسح في المجال لإنكار نبوّته ؟ !
نعم ، لابدّ من نقطة أساسية تتصل ببعض مواصفات الأنبياء والأوصياء ، ذلك أنّ صفاتهم الكمالية على نحوين من الناحية الإثباتية :
الأول : صفات كمالية لزومية ملازمة لأصل مقام النبوة والإمامة ، بمعنى أنّ هذه الصفة لو لم تتوفّر لم يعد يمكننا منطقياً الوثوق بالنبوة أو بالإمامة هنا أو هناك ، ومثال ذلك كذب النبي في تبليغ الوحي ، فإذا ثبت أنّه كاذب أو احتمل كذبه ولم يثبت صدقه كان من الممكن أن يكذب في ادّعائه أنه ينزل عليه الوحي ، وإذا انفتح هذا الباب لم يعد يمكن الأخذ بالنبوّة هنا ، فمن ضروريات النبوة والإمامة - بحيث لا يمكن للعقل القبول بنبوّة زيد دونها - هو الصدق في مثل ذلك ، وهذا النوع من صفات النبي والإمام نسمّيه بالصفات الثابتة اللزومية .
الثاني : صفات كمالية لا تستدعيها النبوة نفسها ولا الإمامة ، بمعنى أنّ العقل يمكنه تصوّر نبوّة زيد حتى من دونها ، فلا تلازم إثباتي برهاني بينها وبينها ، لكن ثبت بالدليل النقلي مثلًا أنّ هذه الصفة ثابتة لهذا النبي أو لذاك الإمام ، فهنا نلتزم بهذه الصفة له ،
هامش
( 1 ) صالح الورداني ، دفاع عن الرسول ضدّ الفقهاء والمحدّثين : 265 - 266 .